
كتب الإمام ابن القيم
ونحن.. نوالي علماء المسلمين، ونتخيَّر من أقوالهم ما وافق الكتاب والسنة ونزِنُها بهما، لا نزِنُهما بقول أحدٍ، كائنًا من كان، ولا نتَّخذ من دون الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم رجلًا يصيب ويخطئ، فنتبعه في كل ما قال، ونمنع - بل نحرِّم - متابعة غيره في كلِّ ما خالفه فيه.
وبهذا أوصانا أئمة الإسلام، فهذا عهدُهم إلينا، فنحن في ذلك على منهاجهم وطريقهم وهديهم؛ دونَ من خالفنا، وبالله تعالى التوفيق.
ابن القيم | الفروسية المحمدية
وإذا اختلف أحمد وغيره من أئمة الحديث في حديث؛ فالدليل يحكم بينهم، وليس قوله حُجَّة عليهم، كما إذا خالفه غيره في مسألة من الفقه، لم يكن قوله حُجَّة على مَن خالفه، بل الحُجَّة الفاصِلة هي الدَّليل.
ابن القيم | الفروسية المحمدية
أحمد بن حنبل أتبع خلق الله تعالى للسنن مَرْفوعِهَا ومَوْقوفِهَا.
ابن القيم | الفروسية المحمدية
كان - صلى الله عليه وسلم - يقف على القبر بعد الدفن فيقول: «سلوا له التثبيت، فإنه الآن يُسأل».
فعُلم أنه أحوج إلى الدعاء له بعد الدفن، فإذا كنا على جنازته ندعو له، لا نَدعو به، ونشفع له، لا نستشفع به، فبَعد الدفن أولى وأحرى.
فبدّل أهل البدع والشرك قولًا غير الذي قيل لهم، بدَّلوا الدعاءَ له بدعائه نفسه، والشفاعةَ له بالاستشفاع به، وقصدوا بالزيارة ــ التي شرعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إحسانًا إلى الميت وإحسانًا إلى الزائر، وتذكيرًا بالآخرة ــ سؤال الميت، والإقسام به على الله، وتخصيص تلك البقعة بالدعاء الذي هو مُخّ العبادة، وحضور القلب عندها وخشوعه أعظم منه في المساجد، وأوقات الأسحار.
ومن المُحال أن يكون دعاء الموتى أو الدعاء بهم أو الدعاء عندهم مشروعًا وعملًا صالحًا، ويُصرف عنه القرونُ الثلاثة المفضّلة بنص رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم يُرْزَقَه الخُلوف الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون.
فهذه سُنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أهل القبور بِضْعًا وعشرين سَنةً، حتى توفاه الله، وهذه سُنّة خلفائه الراشدين، وهذه طريقة جميع الصحابة والتابعين لهم بإحسان.
هل يُمكنُ بَشرًا على وجه الأرض أن يأتي عن أحد منهم بنقل صحيح، أو حسن، أو ضعيف، أو منقطع: أنهم كانوا إذا كان لهم حاجة قصدوا القبور فَدَعَوْا عندها، وتمسّحوا بها، فضلًا أن يُصلّوا عندها، أو يسألوا الله بأصحابها، أو يسألوهم حوائجهم؟ فَلْيُوقِفونا على أثر واحد، أو حرف واحد في ذلك.
بلى؛ يمكنهم أن يأتوا عن الخُلوف التي خلفت بعدهم بكثير من ذلك، وكلما تأخر الزمان وطال العهد كان ذلك أكثر، حتى لقد وُجد في ذلك عدَّة مصنَّفات ليس فيها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا عن خلفائه الراشدين ولا عن أصحابه حرف واحد من ذلك..
فلو كان الدعاء عند القبور، والصلاة عندها، والتبرك بها فضيلةً أو سنة أو مباحًا، لنصب المهاجرون والأنصار هذا القبر عَلَمًا لذلك، ودعوا عنده، وسنُّوا ذلك لمن بعدهم، ولكن كانوا أعلم بالله ورسوله ودينه من الخُلوف التي خلفت بعدهم.
وكذلك التابعون لهم بإحسان راحوا على هذا السبيل، وقد كان عندهم من قبور أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالأمصار عدد كثير، وهم متوافرون، فما منهم من استغاث عند قبر صاحب، ولا دعاه، ولا دعا به، ولا دعا عنده، ولا استسقى به، ولا استنصر به.
ومن المعلوم أن مثل هذا مما تتوفَّر الهِمم والدّواعي على نقله، بل على نقل ما هو دونه.
وحينئذٍ فلا يخلو: إما أن يكون الدعاء عندها والدعاء بأربابها أفضل منه في غير تلك البقعة، أو لا يكون.
فإن كان أفضل فكيف خفي علمًا وعملًا على الصحابة والتابعين وتابعيهم؟ فتكون القرون الثلاثة الفاضلة جاهلةً بهذا الفضل العظيم، وتظفر به الخُلوف علمًا وعملًا؟
ولا يجوز أن يعلموه ويزهدوا فيه، مع حرصهم على كل خير، لا سيما الدعاء؛ فإن المضطر يتشبّثُ بكل سبب، وإن كان فيه كراهةٌ ما، فكيف يكونون مضطرين في كثير من الدعاء، وهم يعلمون فضل الدعاء عند القبور، ثم لا يقصدونه؟ هذا محال طبعًا وشرعًا.
فتعيّن القسم الآخر، وهو أنه لا فضل للدعاء عندها، ولا هو مشروع، ولا مأذون فيه بقصد الخصوص، بل تخصيصها بالدعاء عندها ذَريعة إلى ما تقدم من المفاسد، ومثل هذا مما لا يشرعه الله ورسوله البتة، بل استحبابُ الدعاء عندها شرعُ عبادةٍ لم يشرعها الله، ولم يُنزّل بها سلطانًا.
وقد أنكر الصحابة ما هو دون هذا بكثير...
ومن له خِبرة بما بعث الله به رسوله، وبما عليه أهل الشرك والبدع اليوم في هذا الباب وغيره، عَلِمَ أن بين السلف وبين هؤلاء الخُلوف من البُعْد أبعد ما بين المشرق والمغرب، وأنهم على شيء والسلف على شيء..
ابن القيم | إغاثة اللهفان
أن يعلم أنَّه سبحانه هو الأوَّل قبل كلِّ شيءٍ، والآخر بعد كلِّ شيءٍ، والمظهر لكلِّ شيءٍ، والمالك لكلِّ شيءٍ، وهو الذي يخلق ما يشاء ويختار، وليس للعبد أن يختار عليه، وليس لأحدٍ معه اختيار، ولا يشرك في حكمه أحدًا، والعبد لم يكن شيئًا مذكورًا، فهو سبحانه الذي اختار وجوده، واختار أن يكون كما قدَّره له وقضاه من عافيةٍ وبلاء، وغنًى وفقر، وعزٍّ وذلٍّ، ونباهةٍ وخمول، فكما تفرَّد سبحانه بالخلق تفرَّد بالاختيار والتقدير والتدبير، وليس للعبد شيءٌ من ذلك فإنَّ الأمر كلَّه لله. وقد قال تعالى لنبيه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨]. فإذا تيقَّن العبد أنَّ الأمر كلَّه لله، ليس له من الأمر قليلٌ ولا كثير= لم يكن له معوَّل بعد ذلك غيرَ الرِّضا بمواقع الأقدار، وما يجري به من ربِّه الاختيار.
ابن القيم | مدارج السالكين