
كتب الإمام ابن القيم
أمر الله سبحانه عباده أن يذكروه على جميع أحوالهم، وإن كان ذكرهم إيَّاه مراتب، فأعلاها ذكرُ القلب، واللسان مع شهود القلب للمذكور، وجمعيتُه بكليته عليه بأحب الأذكار إليه، ثُمَّ دونه ذكر القلب واللسان، وإن لم يشاهد المذكور، ثم ذكر القلب وحده، ثم ذكر اللسان وحده، فهذه مراتب الذكر، وبعضُها أحبُّ إلى الله من بعض.
وكان طردُ قول الشبليِّ أنَّ راحته ألَّا يرى لله مصليًا، ولا لكلامه تاليًا، ولا يرى أحدًا ينطقُ بالشهادتين، فإن هذا كله من ذكره، بل هو أجل أنواع ذكره، فكيف يستريحُ قلبُ المحب؛ إذا لم ير من يفعل ذلك؟!
والله سبحانه يحبُّ أن يُذكر، ولو كان من كافر.
وقال بعضُ السلف: إن الله يُحب أن يُذكر على جميع الأحوال إلا في حالة الجماع، وقضاء الحاجة.
وأوحى الله ــ عز وجلَّ ــ إلى موسى أن اذكرني على جميع أحوالك.
والله تعالى لا يُضيع أجر ذكر اللسان المجرَّد، بل يثيب الذاكر، وإن كان قلبه غافلًا، ولكن ثوابٌ دون ثواب.
ابن القيم | روضة المحبين
والعبدُ ذليلٌ لمولاه الحقِّ بكلِّ وجهٍ من وجوه الذلِّ؛ فهو ذليلٌ لعِزِّه، وذليلٌ لقهره ، وذليلٌ لربوبيَّته وتصرُّفه فيه، وذليلٌ لإحسانه إليه وإنعامه عليه؛ فإنَّ من أحسَن إليك فقد استَعْبَدك وصار قلبُك معبَّدًا له، وذليلٌ لغِنَاه ؛ لحاجته إليه على مدى الأنفاس في جلب كلِّ ما ينفعُه ودفع كلِّ ما يضرُّه.
ابن القيم | مفتاح دار السعادة
ولم يأت الحزنُ في القرآن إلَّا منهيًّا عنه أو منفيًّا، فالمنهيُّ كقوله تعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا} [آل عمران: ١٣٩]، وقولِه: {وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} في غير موضعٍ ، وقولِه: {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة: ٤٠]، والمنفيُّ كقوله: {لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [يونس: ٦٢].
وسرُّ ذلك أنّ الحزن مُوقِّفٌ غير مُسيِّرٍ، ولا مصلحة فيه للقلب، وأحبُّ شيءٍ إلى الشيطان أن يَحزُن العبدَ ليقطعه عن سيره ويَقِفه عن سلوكه، قال تعالى: {النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا } [المجادلة: ١٠]. ونهى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الثلاثة أن يتناجى اثنانِ منهم دون الثالث لأنَّ ذلك يحزنه .
فالحزن ليس بمطلوبٍ ولا مقصود، ولا فيه فائدة. وقد استعاذ منه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: «اللهمّ إنِّي أعوذ بك من الهمِّ والحزن» ، فهو قرين الهمِّ، والفرق بينهما أنّ المكروه الذي يَرِد على القلب، إن كان لِما يُستقبَل أورثه الهمَّ، وإن كان لما مضى أورثه الحزن. وكلاهما مُضعف للقلب مُفتر للعزم.
ولكن نزول منزلته ضرورية بحسب الواقع، ولهذا يقول أهل الجنَّة إذا دخلوها: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ} [فاطر: ٣٤]، فهذا يدلُّ على أنّهم كان يصيبهم في الدُّنيا الحزن، كما تصيبهم سائر المصائب التي تجري عليهم بغير اختيارهم.
وأمَّا قوله تعالى: {وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ} [التوبة: ٩٢] ، فلم يُمدَحوا على نفس الحزن، وإنّما مُدِحوا على ما دلَّ عليه الحزن من قوَّة إيمانهم حيث تخلَّفوا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعجزهم عن النفقة، ففيه تعريضٌ بالمنافقين الذين لم يحزنوا على تخلُّفهم وغبطوا نفوسهم به.
وأمّا قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح: «ما يصيب المؤمن من همٍّ ولا نصبٍ ولا حزنٍ إلَّا كفَّر الله به من خطاياه» ، فهذا يدلُّ على أنَّه مصيبةٌ من الله يصيب بها العبدَ يكفِّر بها من سيِّئاته؛ لا يدلُّ على أنَّه مقامٌ ينبغي طلبه واستيطانه.
وأمّا حديث هند بن أبي هالة في صفة النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه كان متواصل الأحزان، فحديثٌ لا يثبت، وفي إسناده من لا يعرف. وكيف يكون متواصل الأحزان، وقد صانه الله عن الحزن على الدُّنيا وأسبابها، ونهاه عن الحزن على الكفَّار، وغفر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخّر؛ فمن أين يأتيه الحزن؟! بل كان دائم البِشر ضحوك السِّنِّ، كما في صفته: «الضّحوك القتّال» صلوات الله وسلامه عليه.
وأمّا الخبر المرويُّ: «إنّ الله يحبُّ كلَّ قلبٍ حزينٍ» فلا يعرف إسناده، ولا من رواه، ولا تعلم صحَّته .
وعلى تقدير صحَّته فالحزن مصيبةٌ من المصائب التي يبتلي الله بها عبده، فإذا ابتلى به العبدَ فصبَرَ عليه أحبَّ صبْرَه على بلائه.
وأمَّا الأثر الآخر: «إذا أحبَّ الله عبدًا نصب في قلبه نائحةً، وإذا أبغض عبدًا جعل في قلبه مزمارًا»، فأثرٌ إسرائيليٌّ، قيل: إنَّه في التوراة . وله معنًى صحيح، فإنَّ المؤمن حزين على ذنوبه، والفاجر لاهٍ لاعبٌ مترنِّم فرح.
وأمّا قوله تعالى عن نبيِّه إسرائيل: {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ} [يوسف: ٨٤]، فهو إخبارٌ عن حاله بمُصابه بفقد ولده وحبيبه، وأنَّه ابتلاه بذلك كما ابتلاه بالتفريق بينه وبينه.
وأجمع أرباب السُّلوك على أنَّ حزن الدُّنيا غير محمودٍ، إلَّا أبا عثمان الحِيريَّ فإنَّه قال: الحزن بكلِّ وجه فضيلةٌ وزيادةٌ للمؤمن ما لم يكن بسبب معصيةٍ، قال: لأنَّه إن لم يوجب تخصيصًا فإنَّه يوجب تمحيصًا .
فيقال: لا ريب أنّه محنةٌ وبلاءٌ من الله بمنزلة المرض والهمِّ والغمِّ، وأمَّا إنَّه من منازل الطريق فلا.
ابن القيم | مدارج السالكين
إن معرفة اللَّه وتوحيده وعبوديته وحده والإنابة إليه والتوكل عليه وإخلاص العمل له ومحبته والرضا به والقيام في خدمته هو الغاية التي خُلق لها الخلق وثبت بها الأمر، وذلك أمر مقصود لنفسه.
ابن القيم | عدة الصابرين
الهوى: ميلُ الطبع إلى ما يلائمه. وهذا الميل خلق في الإنسان لضرورة بقائه. فإنَّه لولا ميله إلى المطعم، والمشرب، والمنكح؛ ما أكل، ولا شرب، ولا نكح. فالهوى مستحبٌّ له لما يريده، كما أن الغضب دافع عنه ما يؤذيه، فلا ينبغي ذم الهوى مطلقًا، ولا مدحه مطلقًا، كما أنَّ الغضب لا يُذَمُّ مطلقًا، ولا يحمد مطلقًا، وإنما يُذَمُّ المفرط من النوعين، وهو ما زاد على جلب المصالح، ودفع المضار.
ولمَّا كان الغالب ممن يطيع هواه وشهوته وغضبه: أنَّه لا يقف فيه على حدِّ المنتفع به؛ أُطلِق ذمُّ الهوى، والشهوة، والغضب؛ لعموم غلبة الضَّرر؛ لأنَّه يندر من يقصد العدل في ذلك، ويقف عنده، كما أنَّه يندر في الأمزجة المزاج المعتدل من كل وجه، بل لا بدَّ من غلبة أحد الأخلاط والكيفيات عليه، فحرص النَّاصح على تعديل قُوَى الشَّهوة والغضب من كلِّ وجهٍ، كحرص الطَّبيب على تعديل المزاج من كلِّ وجه، وهذا أمرٌ يتعذَّر وجودُه إلَّا في حقِّ أفرادٍ من العالم، فلذلك لم يذكر الله الهوى في كتابه إلَّا ذمَّه، وكذلك في السُّنَّة لم يجئ إلَّا مذمومًا.
ابن القيم | روضة المحبين