
كتب الإمام ابن القيم
كل ذي لب يعلم أنه لا طريق للشيطان عليه إلا من ثلاث جهات:
أحدها: التزيد والإسراف، فيزيد على قدر الحاجة، فتصير فضلةً، وهي حظُّ الشيطان ومدخله إلى القلب. وطريق الاحتراز [منه الاحتراز] من إعطاء النفس تمامَ مطلوبها من غذاءٍ أو نوم أو لذةٍ أو راحة؛ فمتى أغلقتَ هذا البابَ حصلَ الأمان من دخول العدو منه.
الثانية: الغفلة؛ فإن الذاكر في حصن الذكر؛ فمتى غَفَل فتح باب الحصن، فولجَه العدوُّ، فيعسُر عليه أو يصعبُ إخراجه.
الثالثة: تكلف ما لا يعنيه من جميع الأشياء.
ابن القيم | الفوائد
قال سبحانه وتعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ... } الآية [الشورى/٥٢].
فسمَّى وحيه وأمره روحًا ؛ لِمَا يحصل به من حياة القلوب والأرواح. وسمَّاه نورًا؛ لما يحصل به من الهدى واستنارة القلوب والفرقان بين الحق والباطل.
وقد اختُلف في الضمير في قوله عز وجل: {وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا} [الشورى/٥٢]. فقيل: يعود على الكتاب . وقيل: على الإيمان.
والصحيح أنه يعود على الروح في قوله: {رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا}، فأخبر تعالى أنه جعل أمره روحًا ونورًا وهدى، ولهذا ترى صاحب اتباع الأمر والسنة قد كُسي من الروح والنور وما يتبعهما من الحلاوة والمهابة والجلالة والقبول ما قد حُرِمَه غيره، كما قال الحسن: "إن المؤمن رُزق حلاوة ومهابة" .
ابن القيم | اجتماع الجيوش الإسلامية
كلُّ نَفَسِ يَخرج في غير ما يُقرِّبُ إلى الله تعالى، هو حسرةٌ على العبد في معاده، ووقفة له في طريق سيره، أو نكسة إن استمر، وحجاب إن انقطع به.
ابن القيم | مدارج السالكين
الدعاء عبودية لله، وافتقار إليه، وتذلُل بين يديه، فكلَّما كَثَرِّهُ العبدُ وطوَّلَهُ وأعاده وأبداه ونَوّعَ جُمَلَه؛ كان ذلك أبلغ في عبوديته، وإظهار فقره، وتذلُّله، وحاجته، وكان ذلك أقرب له من ربه، وأعظم لثوابه.
ابن القيم | جلاء الأفهام
وإذا كانت الروحُ تَحِنُّ أبدًا إلى وطنها من الأرض مع قيام غيره مقامه في السُّكنى، وكثيرًا ما يكونُ غيرُ وطنها أحسنَ وأطيب منه، وهي إنما تَحِنُّ إليه، مع أنه لا ضرر عليها ولا عذابَ في مفارقته إلى مثله، فكيف بحنينها إلى الوطن الذي في فراقها له عذابها وألمُها وحسرتُها التي لا تنقضي؟!
فالعبدُ المؤمنُ في هذه الدار سُبِيَ من الجنة إلى دار التعب والعناء، ثمَّ ضُرِبَ عليه الرِّقُّ فيها، فكيف يلامُ على حنينه إلى داره التي سُبِيَ منها، وفُرِّق بينه وبين من يُحِب، وجُمِعَ بينه وبين عدوِّه؟!
فروحُه دائمًا معلَّقةٌ بذلك الوطن ، وبدنُه في الدنيا.
وكلَّما أراد منه العدوُّ نسيانَ وطنه، وضَرْبَ الذِّكر عنه صفحًا، وإيلافَه وطنًا غيره، أبت ذلك روحُه وقلبُه..
ولهذا كان المؤمنُ غريبًا في هذه الدار، أين حلَّ منها فهو في دار غُربة، كما قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «كن في الدنيا كأنك غريبٌ أو عابرُ سبيل»، ولكنها غُربةٌ تنقضي ويصيرُ إلى وطنه ومنزله، وأما الغُربةُ التي لا يُرجى انقطاعُها فهي غُربةٌ في دار الهوان، ومفارقةُ وطنه الذي كان قد هيِّاء له وأُعِدَّ له وأُمِرَ بالتجهُّز إليه والقدوم عليه، فأبى إلا اغترابَه عنه ومفارقتَه له، فتلك غربةٌ لا يُرجى إيابُها ولا يُجْبَرُ مصابُها.
ابن القيم | مفتاح دار السعادة
من أبلغ العذاب في الدنيا تشتيتُ الشَّمْل وتفرّقُ القلب، وكون الفقر نُصْبَ عيني العبد لا يفارقه، ولولا سكرة عُشَّاق الدنيا بحبها لاستغاثوا من هذا العذاب، على أن أكثرهم لا يزال يشكو ويصرخ منه.
ابن القيم | إغاثة اللهفان