Select your region
and interface language
We’ll show relevant
Telegram channels and features
Region
avatar

قناة د. محمد علي يوسف

mohamadaliyousef
خواطر ومقالات ومقتطفات فكرية ودعوية من كتب ومنشورات وحلقات د. محمد علي يوسف
Subscribers
19 100
24 hours
30 days
Unusual 24 hours drop
Post views
321
ER
1,68%
Posts (30d)
275
Characters in post
2 776
Insights from AI analysis of channel posts
Channel category
Religion and Spirituality
Audience gender
Female
Audience age
25-34
Audience financial status
Middle
Audience professions
Psychology & Counseling
Summary
June 19, 07:39
Media unavailable
1
1
Show in Telegram

June 19, 07:39
Media unavailable
1
1
Show in Telegram

June 18, 12:36

أنت نفسك يقينا عرفت ممن حولك من يحيا في تيهه!
ألم تعرف تائها يغادر فراشه كل صباح ليركض في لهاث محموم... يكدس الأموال، أو يراكم الإنجازات..
ويحصد تصفيق المحيطين أو إعجاباتهم ثم يلتفت بعد حين ليصطدم بالخواء المريع، ويسأل نفسه في لحظة صدق لماذا عشت أصلاً؟
ألم تصادف يوما من كل شيء في حياته يتحرك ويتضخم، إلا روحه التي تظل يابسة متجمدة في مكانها؟
ألم تتعثر من قبل بشخص امتد كل ما في حياته إلى الأمام بينما قلبه مسمر في نقطة الصفر؟
من كل أرقامه تضاعفت، إلا علاقته بخالقه؛ تآكلت حتى تلاشت أو كادت..
من ظل يركض منذ عقود دون أن يتقدم خطوة.
من يستهلك طاقة هائلة، لكنها حبيسة مسار دائري محكم الإغلاق.
إنه التيه نفسه يا عزيزي..
تيه مريع يطحن الأعمار، دون حاجة لصحراء شاسعة، ودون أن تترك رماله الخفية ذرة غبار واحدة على الأحذية...
عقوبة هي؟
ربما...
وربما كانت جراحة تربوية لاقتلاع عفن قديم.
لكن بغض النظر عن تصنيف الحدث تاريخيا أو واقعيا ؛ يظل التساؤل الأهم في نظري يدور حول جذور هذا التيه وكيف قد يتسلل إلى روحي.
لهذا أرتعد دوما من جملة واحدة أراها أشد فتكاً من الفشل ذاته.
حين يطالعك أحدهم بنظرة متبلدة قائلا بيقين يخلو من أي ندم: "لن أتغير".. "هذا طبعي".. "فات الأوان".. "أنا هكذا وسأظل هكذا ".
تلك الحروف القليلة باختلاف صياغاتها تحمل في جيناتها نفس الشفرة الوراثية للمقولة الكابوسية: ﴿إِنَّا هَـٰهُنَا قَـٰعِدُونَ﴾.
وتحمل نفس المقدمة النافية بقطع حاسم..
"لن"
يُعرّف النحاة "لن" بأنها حرف نفي ونصب واستقبال؛ تسلب الفعل المضارع رحابة احتمالاته، وتُخلص زمنه للرفض المطلق في المستقبل.
هذا الحرف القصير يعمل كمقصلة باردة تبتر الغد قبل أن يولد، ويصادر الاحتمالات بأكملها لحساب اليأس.
حين يذكره المرء في سياق نفي التغير للأفضل فهو يقوم بعملية اغتيال متعمد للأمل، وحكم مسبق بإعدام كل محاولة محتملة للنجاة قبل أن تبدأ.
إن المرء لا يهلك بمجرد خطيئته؛ فنحن في النهاية كائنات من طين مجبولة على الزلل ولا ينتهي أمرنا حين نسقط مرة أو مرات..
كلنا نتعثر ونمرغ أنوفنا أحيانا في وحل التجربة.
لكن بداية التيه الحقيقي تنطلق في اللحظة التي يقرر فيها المرء أن يتخذ من موضع سقوطه وطناً.
حين يتحول الذنب إلى هوية والتقصير إلى إقامة دائمة واليأس من الرحمة إلى عقيدة راسخة.
وهنا تحديداً يسقط العذر، ويتغير الوصف...
سيصير الاسم الذي يوسمون به من الآن فصاعدا = "الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ"
وسيلتفت الخطاب الإلهي إلى موسى عليه السلام ليضع النقطة الأخيرة..
﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾.
لا تأسَ عليهم
لا تحزن ولا تهدر دمعك ونبض قلبك المنهك على من اختاروا العدم.
الأسى شعور نبيل يُمنح لمن حاول وسقط..
لمن بذل وسعه ثم خذلته قواه..
أما أولئك الذين افترشوا الأرض حاقرين أنفسهم فلا يستحقون الأسى.
فحين يقرر الإنسان أن يدفن نفسه حياً، تفقد الدموع معناها و يستحق إلا ذلك التيه الذي اختاره لنفسه
لذلك تجرد القوم من صفة الضعف الذي يستوجب الشفقة والأسى واكتسبوا صفة "الفسق" الذي هو التفلت والانسلاخ...
لقد انسلخوا من إرادتهم ومن كرامتهم ومن محاولة التغير فانقطع الطمع فيهم كما قطعوه في أنفسهم..
لأجل ذلك اعتقدت دوما أن سنوات التيه لم تكن حكماً انقضى أثره بموت أصحابه..
لقد كانت مرآة ضخمة نرى فيها مصيرنا حين نقطع حبل الرجاء..
كانت ولم تزل درساً معلقاً في تاريخ البشرية يخبرنا أن الطريق يتسرب من بين أصابع المرء في حالتين.
الأولى حين يفقد الاتجاه، وتلك أزمة قابلة للتدارك فالخرائط يمكن دوما رسمها من جديد، والنجوم يمكن الاهتداء بها، والأبواب الموصدة قد تُفتح يوماً.
أما الثانية فهي الفاجعة المهلكة..
حين يفقد المرء إرادة السير ثم يحسم أمره ويعلن القعود؛ فيكون بذلك الإعلان قد دشن لتوّه تيهه بيديه.
إياك أن تقطع الأمل في الطاعة فيُكتب عليك الضياع.
إياك أن توصد الباب بيدك، ثم تجلس لتندب وحشة الظلام.
إياك أن تعلن انهيارك راضياً، ثم تقضي عمرك كله تستغرب.. لماذا تحولت حياتك إلى مسار مرهق، وسير شاق، وخطوات لا تفضي إلى أي شيء.
إلى التيه...
#واصطنعتك_لنفسي

June 18, 12:36

لقد ترفعوا عن السير نحو الأرض المقدسة فحُكم عليهم بالسير أربعين عاماً في الفراغ..
وبلا وجهة.
استثقلوا خطوة واحدة حاسمة نحو المجد الموعود... فليغرقوا إذاً في ملايين الخطوات العبثية التي لا تفضي إلى أي شيء.
نحن هنا أمام واحدة من أشد غرف التعذيب النفسي التي قد يُمتحن بها العقل البشري.
أن تتحرك كثيراً.. ولا تصل.
أن تنزف جهداً حقيقياً خرافياً.. ولا تتقدم مليمتراً واحداً.
وأن يبتلعك الطريق بالكامل دون أن تقترب قيد أنملة من أي غاية.
في العادة، يمتلك الإنسان طاقة هائلة لاحتمال الجوع لكن إذا لمح الثمرة في النهاية..
وسيتحمل تشقق الأقدام والمشقة إذا رأى نهاية الدرب..
أما أن يُطحن في ساقية من الجهد العقيم، والسير الذي لا يوصل، والأيام التي تستنسخ بعضها بتبلد حتى تفقد معناها = فهنا ينهار كل شيء.
﴿قال فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَیۡهِمۡ أَرۡبَعِینَ سَنَةࣰ یَتِیهُونَ فِی ٱلۡأَرۡضِ﴾.
أربعون سنة!
رقم يبعث على القشعريرة حين تتأمله. نحن لا نتحدث هنا عن عقوبة تأديبية عابرة.
نحن نتحدث عن دورة حياة كاملة؛ طفل يصرخ صرخته الأولى..
ثم يتعلم المشي على الرمال..
ثم يشتد عوده وينضج ليصبح رجلاً يافعاً..
كل هذا يحدث داخل جدران هذه المتاهة المفتوحة.
لكن لماذا أربعون عاماً تحديداً؟
لماذا لم يقتصر الأمر على سنة واحدة من العذاب المكثف؟
أو حتى خمس؟
أو عشر؟
الإجابة هي أن القضية لم تكن مجرد إجراء عقابي تقليدي.
لقد كان التيع بمثابة جراحة استئصال وإعادة تشكيل من الصفر.
ثمة شيء عفن في قاع النفس ينبغي أن يموت ويُدفن في الرمال، لكي يولد شيء آخر نقي..
جيل كامل وصل إلى نقطة اللاعودة حين أعلن تمرده على نبيه و استسلامه لعدوه في الآن نفسه وهو بكامل قواه العقلية..
جيل حسم موقفه النهائي من الطاعة، واتخذ قراره القاطع بأن يبقى ملتصقاً بالطين.
ومثل هذا الجيل المعطوب يستحيل أن يفتح أرضاً، أو يحمل أمانة، أو يكتب سطراً واحداً في كتاب التاريخ.
كان ينبغي أن ينقرض ويتلاشى تماماً ليس بدافع الانتقام ولكن لأن الطريق الصعب القادم يحتاج إلى رجال من طراز مختلف.
رجال لم يرضعوا ثقافة القعود، ولم يتشربوا فلسفة التراجع، ولم يعتنقوا الدعة والراحة كعقيدة لا تقبل المساس.
هذا الانقراض والتلاشي سيحدث هناك..
في التيه..
في سجنهم ذي الأفق المفتوح على مصراعيه.. بلا جدران، ولا قضبان حديدية، ولا حراس يجلدون الظهور.
رغم ذلك.. لا يوجد أي مخرج.
يمشون ويمشون، فتتمدد المسافات كالمطاط، وتبتعد الغاية كسراب خبيث؛ كأن الأرض تطوي نفسها لتسخر منهم.
ينقل المفسرون صورة كابوسية عن يوميات هذا التيه حيث يسير القوم نهارهم كله، يلهثون وتتصبب أرواحهم عرقاً، يحدوهم أمل بأن وراء التبة القادمة يكمن الخلاص.
ثم يسقطون من فرط الإعياء ليناموا.. وحين تفتح أعينهم مع أول خيط للفجر يصطدمون بالفاجعة..
إنهم يقفون في البقعة ذاتها!
هذه هي الصخرة نفسها التي رأيناها بالأمس...
الوادي نفسه.. والمشهد ذاته الذي هربوا منه بالأمس.
كل شيء يتكرر يوميا في حلقة مفرغة من أعجب حلقات التاريخ..
سواء أخذنا هذا الوصف في كتب التفسير على ظاهره الحرفي، أو فهمناه كاستعارة عن ضلال السعي وحيرة العقل = فإن الرعب النفسي واحد:
أن يُحكم على عمرك بأن يُطحن في دائرة مغلقة.
أن تبذل جهداً حقيقياً وتنزف ثم تكتشف أنك لم تغادر نقطة الصفر قط.
شيء مقبض حقاً..
الأعجب في هذه القصة أن العقوبة لم تكن جوعاً يمزق الأمعاء ولا عطشاً يشق الحناجر.
في خضم التيه كانت أسباب الرفاهية المادية تتدفق عليهم بلا انقطاع!
الغمام يتحرك ليظللهم ويحميهم من شمس الصحراء الحارقة..
الحجر الأصم يتفجر بالماء العذب فلا يجدون عطشا..
المائدة السماوية تتنزل كل صباح بالمن والسلوى فلا نقص موارد ولا ندرة طعام مما عرفت به الصحاري؟
كل أسباب "البقاء" حاضرة بقوة..
لكن "الغاية" مفقودة تماماً.
التيه كان ببساطة يُسقط عنهم وهم الاكتفاء بـ "توفر الرزق" والذي طالما ظنوه كل شيء..
فقط كان التيه يذيقهم مرارة شيء آخر..
مرارة "فقدان الوجهة"
أشد أنواع الضياع الذي لا يتمثل في خلو البطن ولكن في خلو الحياة من المعنى.
إن أقسى درجات الفقر لا تعرفها الجيوب الخاوية ولكن تدركها الأرواح التي فقدت مبرر وجودها.
أن تستيقظ كل صباح؛ لتأكل.. وتشرب.. وتستهلك الأكسجين.. وتتحرك.. ثم تنام لتكرر الدورة في اليوم التالي وأنت لا تعرف إلى أين تمضي..
ولا لماذا تمضي ولا ماذا تريد من هذه الحياة أصلاً..
ذلك هو التيه الحقيقي في أبشع صوره.. تيه الروح وإن كانت في قمة شبعها المادي.
لذلك كان مشهد التيه مريعا فعلا
وأشد ما يخيف فيه هو ذلك التماس المباشر مع واقعنا..
حالة التيه في نظري لم تُدفن مع آخر ذلك الجيل ولكنها ما زالت تتناسخ في كل زمان بصور ووجوه وأقنعة عصرية مختلفة.

June 18, 12:36

أسوأ ما يمكن أن يحدث لتائهٍ في الصحراء يتجاوز مجرد ضياع الطريق؛ الأسوأ هو كابوس يسمونه ظاهرة "المشي في دوائر" (Walking in circles).
أن يمشي المرء يوماً.. ثم آخر..
ثم يوماً ثالثاً.
يمشي حتى تتشقق قدماه، ويجف حلقه، ويظن أنه اقترب أخيراً من النجاة..
ثم يلمح على الرمل أثراً مألوفاً.
أثراً يعرفه جيداً.
يقترب أكثر، ليكتشف الحقيقة المرعبة..
إنها آثار قدميه هو.
لقد ظل يدور في دائرة واسعة طوال هذا الوقت..
يحرق من عمره ليعود إلى النقطة التي بدأ منها.
يطلق علماء الملاحة الصحراوية على هذه الظاهرة اسم "الانحراف الحلزوني".
في عام 2009 أجرى باحثون من معهد "ماكس بلانك" الألماني تجربة تدرس هذه الحالة حيث دخل متطوعون غابات ألمانيا الكثيفة، وتطوعت مجموعة أخرى في صحراء تونس المفتوحة، وطُلب منهم السير في خط مستقيم طالما كانت الشمس ظاهرة في السماء، أو كانت النجوم تمنحهم نقطة يهتدون بها،..
نجح الجميع تقريبًا في التقدم نحو وجهتهم لكن ما إن حجبت السحب الشمس، واختفت العلامات البصرية المرجعية، حتى حدث شيء غريب.
لقد بدأ المشاركون ينحرفون دون أن يشعروا.
انحرافات صغيرة للغاية..
في البدء كانت مليمترات لا تكاد تُرى..
تتراكم الانحرافات مع كل خطوة بسبب التفاوت العضلي الضئيل جداً بين القدمين
ثم انتهى الأمر بمعظمهم إلى السير في دوائر واسعة، صانعين سجونهم الدائرية بأقدامهم، وهم يظنون أنهم يتقدمون إلى الأمام.
العجيب أن هذه الحلقة المفرغة تتجاوز فكرة الضياع الجغرافي، لتشكل فكرة نفسية مريعة.
فكرة تعطي ضحاياها الوهم الكامل بأنهم يتحركون، وتخفي عنهم حقيقة أنهم مسمرون في عدمهم.
وفي سجلات المآسي البشرية توجد كارثة أشد رعباً من الدوران والضياع..
أن يقرر الإنسان التوقف عن البحث أصلاً.
الضال قد يعثر على الطريق والتائه قد يهتدي إلى دليل والحائر قد تشرق في قلبه فكرة تغير كل شيء.
لكن ذلك الإنسان الذي أغلق الباب بيده، ثم جلس أمامه معلناً بتبلد أنه لن يتحرك؛ فهذا قد دخل مرحلة أخرى تماماً.
مرحلة تتلاشى فيها أزمة الطريق، وتفقد الخريطة قيمتها، وتتوارى المسافات؛ لتصبح المشكلة كلها متجذرة في الإرادة المعطوبة.
من هنا يمكننا فهم حقيقة "التيه"
إن قصة "التيه" لم تبدأ يوم تشابهت عليهم دروب الصحراء، ولم تبدأ يوم صدر الحكم الإلهي:
﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَیۡهِمۡ أَرۡبَعِینَ سَنَةࣰ یَتِیهُونَ فِی ٱلۡأَرۡضِ﴾.
المأساة تخلقت داخل القلوب قبل ذلك بسنوات.
أراها بدأت يوم ظهرت كلمة صغيرة تتكرر على ألسنتهم بصورة مقززة لتؤسس تلك الحلقة المفرغة من الرفض والتمرد..
كلمة: "لن".
﴿لَن نُّؤۡمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾.
﴿لَن نَّصۡبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾.
{وَإِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَا حَتَّىٰ یَخۡرُجُوا۟ مِنۡهَا }
﴿لَن نَّدۡخُلَهَاۤ أَبَدࣰا مَّا دَامُوا فِيهَا﴾.
اعتراض يولد اعتراضاً وتذمر ينجب تذمراً وعناد يتضخم وعصيان يتجسد... بل ويصرح به في وقاحة صارخين "سمعنا وعصينا"!
نفوس كانت تقطع حبال الطاعة واحداً تلو الآخر، حتى وصلوا إلى الجملة الأخيرة.
الجملة التي سقطت كحجر ضخم في بئر عميقة فأغلقتها إلى الأبد..
﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾.
تأملها جيداً.
هم لم يعتذروا بالخوف.
لم يطلبوا مهلة لالتقاط الأنفاس.
ولم يبكوا من فرط العجز.
لقد اتخذوا قراراً حاسماً بالقعود..
القضية حُسمت و الباب أُغلق و أصحاب المقولة وقعوا بأيديهم على وثيقة انسحاب نهائية من الطريق كله.
عند هذه اللحظة تحديداً، حُسم الأمر...
استقر الضياع داخل نفوسهم، وتمدد في شرايينهم قبل أن تطأ أقدامهم رمال التيه.
المرء لا يبدأ تيهه عندما يفقد الطريق..
المرء يتوه حقاً عندما يفقد الرغبة في الوصول.
الخوف مفهوم والتردد مفهوم وضعف النفس مفهوم.
أما هذه المقولة فشيء آخر.
"قاعدون" ليست وصفًا لحالة ولكنها إعلان موقف.
اختيار للانسحاب ومصالحة كاملة مع الهزيمة.
"قاعدون" ليست كلمة قالوها بألسنتهم ولكنها كانت أشبه بعقيدة استقرت في نفوسهم وشهادة وفاة للإرادة قبل أن تكون قرارًا بالبقاء والمكث حيث هم..
كانت نهاية الحوار ونهاية المحاولة وإغلاق الباب الأخير داخل القلب.
وفي تلك اللحظة تحديدًا بدأ التيه...
ويالها من كلمة!
التيه...
حين تطرق مسامعي تلك الكلمة فإنها غالبا تستدعي الصورة الذهنية النمطية..
صحراء شاسعة..
كثبان رملية تمتد بلا نهاية..
وقافلة بائسة أضاعت بوصلتها.
لكن المشهد القرآني يضعنا أمام رعب أعمق وأكثر تعقيداً من هذا التصور البسيط.
المأساة هنا لم تكن في فقدان "الاتجاه"..
لقد كانت في فقدان "الوجهة"!
لطالما كانوا يعرفون طريق الأرض المقدسة جيداً، ويحفظون تفاصيل الوعد، ويدركون خطوات الوصول.
كل شيء كان يوما ما واضحاً كشمس الظهيرة..
الشيء الوحيد الذي انهار وتفتت هو الإرادة...
ومن هنا، نُسجت العقوبة بخيوط مأخوذة من نفس قماش الجريمة.

June 18, 12:36
Media unavailable
1
1
Show in Telegram

June 17, 18:37
Media unavailable
2
Show in Telegram

ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ

June 17, 10:14

وتلك هي النعمة الكبرى التي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا واصطفاهما بها؛ نعمة "اليقين" الذي يتصلب شامخاً، في اللحظة التي ترتجف فيها أمة كاملة وتختار السقوط.
وقف الرجلان في وجه التيار المذعور، ونطقا بالسر البسيط الذي يجهله الجبناء دائماً:
﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾.
الباب..
كل عقدة التاريخ، وكل ثقل المأساة، كان يكمن في مقبض هذا "الباب".
لم يطلب الرجلان قتالاً ملحمياً، ولا خططاً عسكرية معقدة..
لقد طلبا خطوة واحدة فقط لاختراق الوهم.
فمعظم معارك الحياة الكبرى لا تحتاج سوى لقرار واحد صلب تُعبر به عتبة المخاوف..
لحظة صدق واحدة يتغلب المرء فيها على الذعر القابع في داخله قبل أن يواجه أعداء الخارج.
فقط ادفعوا الباب، وستسقط أسطورة الجبارين..
﴿فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾.
هكذا وعد ربكم..
وهكذا كان عليكم أن تصدقوا
بعدها وضعا الميزان الحاسم الذي يختبر صدق النفوس.. ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ﴾.
والتوكل لا يعني انتظار المعجزات في مقاعد المتفرجين..
هو قمة الفعل..
أن ترمي بثقل جسدك المكدود لدفع الباب، وأنت موقن تماماً أن الذي سيفتحه لك هو رب السماء.
لكن القلوب المريضة كانت قد أغلقت منافذها تماماً.
وحين تحسم النفس قرار الهزيمة وتستمرئ وحل القاع فلن تنفعها ألف موعظة، ولن يحركها ألف نبي.
لقد تبخرت نصيحة الرجلين في هواء الصحراء المفتوح..
وجاء الرد..
الرد الذي يقطر بوقاحة تاريخية لم تعرف البشرية لها مثيلاً.
الكلمة التي أثق أن موسى عليه السلام لم ينسها ما امتد به العمر.
الكلمة التي لخصت المأساة، وكشفت العورات الفكرية والنفسية، ووضعت نقطة النهاية المأساوية لجيل كامل..
﴿قَالُوا۟ یَـٰمُوسَىٰۤ إِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَاۤ أَبَدࣰا مَّا دَامُوا۟ فِیهَا فَٱذۡهَبۡ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَـٰتِلَاۤ إِنَّا هَـٰهُنَا قَـٰعِدُونَ﴾.
تأمل هذا التبجح الصارخ.
أخطر ما في هذه الجملة الكابوسية ليس الخوف.. فالخوف غريزة بشرية تداهم الجميع.
الكارثة تكمن في الجزم القاطع برفض التكليف..
﴿أَبَدࣰا﴾...
ياله من حسم... لكنه حسم في باطل!
أن تحسم اختيارك بملء إرادتك ضد مراد الله..
أن تقطع حبال المحاولة..
أن تغلق باب التوبة والرجوع مسبقاً بكلمة "أبداً".
هذا التمرد السافر يلامس حدود الجحود والجفاء المريع .
ثم انظر إلى بشاعة اللفظ الآخر وخسته..
﴿فَٱذۡهَبۡ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَـٰتِلَاۤ﴾.
أي قسوة تكمن في هذه الحروف وأي جفاء؟
أي مسافة هائلة تفصل بين نبي أفنى زهرة شبابه، وشيبته، وعرقه، وأعصابه لإنقاذهم.. وبين قوم يردون عليه بهذه البرودة التي تجمد الدماء في العروق؟
يتبرأون من التكليف، ويتبرأون حتى من ربوبية الخالق في لحظة المعركة.
"ربك"..
هكذا قالوا..
كأنهم يخبرون موسى بلسان الحال وبلفظ يشبه ما كان المصريون يستعملونه في خطاب موسى.. هو ربك أنت حين يطلب منا الدم والجهد والمواجهة، أما نحن فنريد رباً يطعمنا المن والسلوى والعدس والبصل... وحسب!
هم لم يطأطئوا رؤوسهم خجلاً ويقولوا اعذرنا يا موسى إنا خائفون.
لم يرتجفوا باكين ويقولوا: أمهلنا إنا ضعفاء.
لم يطلبوا الدعاء قائلين: إنا عاجزون.
لقد قالوا الأقبح، والأشد إيلاماً وتجرداً من كل مروءة..
قالوا بكل صفاقة وعنجهية..
﴿إِنَّا هَـٰهُنَا قَـٰعِدُونَ﴾.
تأمل ثقل كل حرف يقطر بالتولي..
لقد أعلنوا انسحابهم النهائي من مسرح التاريخ كأنهم اختاروا القعود اختياراً حراً، وتبنوه مذهباً فكرياً، واتخذوه وطناً نهائياً بديلاً عن الأرض المقدسة.
في تلك اللحظة تجلت لموسى عليه السلام حقيقة موجعة.
لقد سقط هذا الجيل..
الأمر لم يحتج إلى جيوش جرارة أو أعداء أسطوريين.
يكفي أن تفقد الأمة رغبتها في الوقوف لتسقط..
ولقد فعلها قومه مراراً من قبل والآن يحسمون خيارهم الأخير..
لن ندخلها أبدا..
هاهنا نحن قاعدون..
عندئذ رفع موسى يديه المكدودتين، وتمتم بتلك الكلمات التي تقطر مرارة وانكسارا..
﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾.
يالحجم الفاجعة المخبوءة في هذه الحروف.
رحلة ملحمية التهمت زهرة العمر ثم ينكمش هذا التاريخ الهائل فجأة..
يضيق ويضيق حتى يتبخر كل شيء، ولا يتبقى في الكف سوى اسمين فقط..
نفسي.. وأخي!
موسى وهارون..
البقية فضلوا الراحة في مقاعد المتفرجين.
وهنا صدر الحكم..
حكماً يحاكي تفاصيل المرض بدقة مذهلة.
{ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَیۡهِمۡۛ أَرۡبَعِینَ سَنَةࣰۛ یَتِیهُونَ فِی ٱلۡأَرۡضِۚ فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَـٰسِقِینَ }
لقد أرادوا القعود.. إذاً فليذوقوا التيه.
رفضوا عبور باب واحد يصنع المجد فتاهت عنهم كل الأبواب!
خافوا من خطوة واحدة يخطونها نحو المراد = فليقضوا إذاً الأربعين سنة القادمة يطحنون رمال الصحراء بأقدامهم المتعبة..
بلا وصول..
وبلا أمل..

June 17, 10:14

ومنذ تلك اللحظة التي أطلقوا فيها صرختهم الكسولة المتبلدة: ﴿إِنَّا هَـٰهُنَا قَـٰعِدُونَ﴾ = بدأت الرمال تكتب الفصل التالي من القصة..
فصل التيه..
ولهذا حديث آخر إن شاء الله
#واصطنعتك_لنفسي

June 17, 10:14

"ادخلوا".
كلمة واحدة..
مبنى صغير من عدة أحرف لكنها تحمل على كاهلها ثقل سنوات طوال من العمر المكدود وخلفها ليال من الدموع المكتومة، وجبال من الصبر المرير و رحلة رهيبة بدأت بتابوت خشبي يتهادى على أمواج النيل، وعبرت الكثير من الأبواب لتنتهي عند هذا الباب الأخير..
باب الأرض المقدسة.
عتبة واحدة فقط تفصل أمة عن كسر القيد، وكتابة تاريخ مجيد لا يشبه أي شيء قبله.
تأمل الجملة التي تلت الأمر بالدخول لتدرك أن المعركة كانت محسومة سلفاً..
﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾.
هذه والله وحدها تكفي!
لم يقل لهم: ادخلوا لنجرب فرصنا.. ولم يقل: ادخلوا لعلكم تنتصرون.
قال: "كَتَبَ".
ومن الذي كتب؟
الله جل وعلا الذي رأيتم معجزاته وعاينتم فضله عليكم
كلمات تقطع بوعد إلهي نافذ إن امتثلتم..
قدر محتوم، ومنحة لا تنتظر سوى من يمد يده لاستلامها.
كان المطلوب فقط هو "حضور" المستلم في الميدان ليتسلم عهدته!
أي طمأنينة أعظم من أن تدفع باباً وأنت تعلم يقيناً أن رب السماء والأرض قد كتب لك ما وراءه؟
لكن موسى، وهو الخبير العليم بأمراض قومه وتشوهاتهم النفسية، كان يدرك أن القلوب المرتجفة قد تفر حتى من أمام الانتصارات المضمونة والوعود المؤكدة.
لذا أتبع البشارة بتحذير..
تحذير صارم يقطع خط الرجعة المادي والنفسي:
﴿وَلَا تَرۡتَدُّوا۟ عَلَىٰۤ أَدۡبَارِكُمۡ فَتَنقَلِبُوا۟ خَـٰسِرِینَ﴾.
لا ترتدوا..
الارتداد هنا ليس مجرد تراجع في الجغرافيا أو تقهقر بالقدم إلى الوراء..
إنه انتكاسة روح.. وانهيار إرادة، وعودة طوعية إلى مستنقع العبودية وأخلاق العبيد بعد أن ارتقوا قمة الحرية.
﴿فَتَنقَلِبُوا۟ خاسرين﴾.
يالها من كلمة
الهارب في لحظة الحسم لا يعود إلى حالته الأولى سالماً؛ بل "ينقلب" كيانه كله رأساً على عقب..
يخسر نفسه، ويخسر تاريخه، ويخسر رعاية مولاه التي أحاطته طوال تلك السنين.
الخسارة هنا ليست مجرد ضياع جولة عسكرية يمكن تعويضها ولكنها خسارة وجودية.
الذي يرفض التقدم نحو المجد الذي كُتب له، لن يبقى واقفاً في مكانه آمناً..
سيهوي حتماً في بئر سحيقة لا قاع لها من الخسران المبين..
لكن الأبواب التاريخية الكبرى لا توصد دائماً بالحديد والمتاريس..
قد توصد بالخوف..
لذا جاء الرد الصادم من القوم..
جاء بارداً كشفرة سكين قديم..
﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾.
أتخيل نبي الله موسى وهو يتلقى الكلمات الثقيلة..
أشعر بانقباضة صدره الموجعة في تلك اللحظة كأن شيئاً قديماً ينهض من قبره المنسي ليفزع الأحياء.
شيء خيّل إليه أنه قد دُفن إلى الأبد تحت أمواج البحر مع جثة فرعون..
سنوات الذل.
ميراث الانكسار.
عقيدة الخوف التي تشربتها الأوردة جيلاً بعد جيل.
لقد نجحت المعجزة في إخراج أجسادهم من قبضة الخوف .. غير أن تلك القبضة ظلت قابعة في أعماقهم.
غادروا أسوار العبودية غير أن سجن الذل ظل مسكن أرواحهم المفضل.
لقد كان موسى يرى بوضوح ما لا تدركه أبصارهم الكليلة.
يرى أن حراس أسوار بيت المقدس من "الجبارين" لا يشكلون الخطر الحقيقي.
الخطر المميت يقف أمامه الآن..
يتنفس هواء الصحراء ويتحدث بلسان قومه.
ذلك الانهزام المتجذر في النفوس، والعجز المستوطن الذي تضخم حتى التهم الهوية كلها.
تتابع الكلمات لتكشف عن عورات أشد قبحاً:
﴿وَإِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَا حَتَّىٰ یَخۡرُجُوا۟ مِنۡهَا فَإِن یَخۡرُجُوا۟ مِنۡهَا فَإِنَّا دَ ٰ⁠خِلُونَ﴾.
تأمل مساحة الخلل في هذه العبارة.
هم يريدون نصراً مجانياً بلا معركة، وأرضاً بلا اقتحام، ومجداً صافياً لا يكلفهم قطرة دم ولا حبة عرق.
عقولهم المريضة المبرمجة على الكسل تطلب نتائج جاهزة ومغلفة تتنزل عليهم تماماً كما كانت تتنزل عليهم وجبات المن والسلوى كل صباح.
وكأن سنوات الرعاية الاستثنائية أقنعتهم بغباء أن قوانين الحياة ونواميسها قد عُطلت لأجلهم للأبد وأن الطريق إلى التمكين ينبغي أن يكون مفروشاً بمعجزات تقاتل بالنيابة عنهم، وتكنس لهم الساحات من كل عدو ليدخلوا آمنين بلا أي بذل أو تعب..
لكن في أشد اللحظات عتمة، وحين يقرر القطيع البشري الانسحاب طوعا = يترك القدر دوما حجة حية تنبض باليقين، لئلا يُقال يوماً إن الهزيمة كانت مكتوبا لا فكاك منه.
شخص واحد قد يكفي أحياناً ليصفع الخوف ويوقظ النائمين..
فكيف إذا كانا اثنين؟
من قلب هذا الغثيان المتردد، انشق الصف عن رجلين
"يوشع بن نون" و"كالب بن يوفنا".
رجلان فقط يقفان بصلابة، في مواجهة أمة كاملة تزحف إلى الخلف.
نقطتان من النور المعاند، وسط بحر لُجّي من التخاذل والإرجاف.
﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾.
كان خوفهما من الله كافياً ليمحو من قلوبهما أي رهبة من المخلوق، فمن يمتلئ صدره بخشية الخالق لا يرى في عتاة الأرض سوى أشباح من طين.