
قناة د. محمد علي يوسف
أنا لا أستريح في وجود الأشباح...
تمهل... تمهل.. هذه ليس أحد كتابات الرعب فلا داعي لأن تذهب بخيالك بعيدًا نحو تلك الأطياف الهائمة التي تسكن القصور المهجورة في أفلام الفزع الكلاسيكية..
ولا أيضا تلك الكيانات الضبابية التي تكتظ بها صفحات أدب الخيال وما وراء الطبيعة وتجعل د. رفعت إسماعيل يرتجف في روايات د. أحمد خالد توفيق الشهيرة
ليس هذا ما عنيته..
بل قد تراني أجد في تلك الأشباح التقليدية شيئًا من الأصالة المفقودة في أيامنا هذه.
لقد قصدت شيئا آخر تماما
الأشباح هو نمط حديث عجيب مريب من تلك المخلوقات التي نبتت في وادينا الطيب..
الشاب "الشبح" وهو المفرد من ذلك النمط قد تراه في أرجاء الشوارع، وعلى النواصي أو متصدرا مقاطع الفيديو القصيرة التي تهاجم عينيك دون استئذان.
ذلك الشبح ذو اللهجة الممطوطة ونظرة العين القاسية وأحيانا الوقحة وأسلوب الحياة الذي يبدو وكأنه تم تجميعه من مجموعة من الأفلام والمسلسلات وأغاني المهرجانات الصاخبة التي هبطت علينا فجأة لتنتج هذا الشبح الفِخِم (بكسر الفاء والخاء)..
ولهؤلاء الأشباح هيئة تكاد تكون زيًّا رسميًّا غير معلن يبدأ من شعره المصفف بطريقة غير مألوفة تحمل شيئا من القزع وكثيرا من (الجيل) وتحمل اسما ما لا أتذكر هل هو «الموليت» أم "المولتو"... أظن أن الأخيرة هذه نوع من الطعام أليس كذلك..
المهم أنك ستحتار في تدريجات شعره من الأمام والجوانب ومن الخلف، كأن صاحبه لم يحسم بعد إن كان سيحلق أم سيترك شعره يتطاير علينا..
على أحد حاجبي الشبح شَرطة حادة، لا تدري أهي أثر إصابة حقيقية في معركة من معاركه مع أشباح آخرين، أم مشروع فني نفذه الحلاق بطلب منه وهو يضيف اللمسات الأخيرة إلى التحفة الماكثة على رأسه أو أن المصفف قد فقد عقله للتو فقرر رسم هذه اللوحات السيريالية على رؤوس وحواجب الأشباح!
أما الثياب فلها حكاية أخرى؛ أقمشة لامعة...
ترتر، وسلاسل، ورسوم لا يعرف المرء إن كانت من علامات الأزياء الحديثة أم بقايا زينة فرح ابنة خالته قرر أن يرتديها في حياته اليومية.
قمصان مبهرجة لامعة في نصفها العلوي وممزقة أو مموهة في نصفها السفلي وطبعا تحمل شعارات ماركات عالمية لا تسل عن مصدرها أو عن درجة تقليدها... كل ذلك ليس مهما
المهم أن تكون براقة جدا.. وخاطفة للأعين وتناسب كم الإكسسوارات اللامعة التي ستحملها ذراعي الشبح ورقبته..
كل شيء في صديقنا يعلن عن نفسه بصراحة وبصوت مرتفع كأن الصمت والهدوء عدوان لابد من محقهما..
نعم يا "زميلي" -وهذا أحد ألقابك لدى الأشباح إن قرروا التودد - هؤلاء الأشباح الذين يتجولون بيننا في وضح النهار هم من قصدت..
أراك قد تعرفت عليهم..
هؤلاء الأشباح يا "ساحبي" - نعم هذا لقب آخر يحمل مزيدا من التودد - هم لا يثيرون الرعب كما يوحي اسمهم بقدر ما يثيرون مزيجًا من الحيرة والتساؤل وربما شيئا من الأسى.
ربما ترجع التسمية إلى معنى الاختفاء أو اللاوجود الذي كانت توحي به اللفظة الأصلية فصارت في حقهم إشارة إلى شيء يشبه ذلك "الظهور الطيفي" لشخصيات لا تشبه ظواهرها حقيقتها الداخلية التي غالبا ما تكون هشة تشبه الإكتوبلازم الذي تتكون منه الأشباح في افلام الرعب الرخيصة بالسبعينات والثمانينات..
أحيانا اتصورهم قد خرجوا لتوهم من "ورشة استنساخ" غير مُرخصة، متخصصة في إنتاج نسخ باهتة ومُقلّدة من أبطال أفلام الأكشن الشعبي التي ربما يحمل براءة اختراعها ذلك الممثل الذي يردد كثيرا أن ثقته في الله وأنه الأول بين زملائه..
ربما هو وربما غيره؛ تحقيق الامر لا يعنيني كثيرا!
ما يعنيني حقا هو التفكر في كنه تلك الورشة التي تستنسخ هذا النمط الذي يشترك في خصائص واضحة..
بالمناسبة في وصفي للشبح لا أقصر الأمر عن طبقة اجتماعية أو اقتصادية بعينها، ولا أرى أن الأشباح حكر على فئة أو مستوى مادي محدد.
هذه الأشباح في رأيي عابرة للطبقات، وإن اختلفت تكلفة إنتاجها.
قد تجد الشبح في حي فقير، وقد تصادفه في أرقى التجمعات السكنية؛ أكيد ستتغير الملابس بعض الشيء، وتتبدل أسعار الإكسسوارات وربما يصبح الحذاء أغلى من دراجة بخارية (مكنة) شبح آخر؛ لكن الروح واحدة.
حتى مصفف الشعر يبدو أحيانًا هو نفسه؛ رجل فقد عقله في لحظة ما، وقرر أنه فنان سيريالي عميق أو غاضب قرر أن ينتقم من المجتمع كله في رؤوس زبائنه.
طبعا قد تنتقل الموسيقى التصويرية لحياة الشبح من المهرجان إلى الراب أو الميتال، وقد تتغير المفردات، لكن النبرة تظل كما هي، كأن الأشباح يتلقون تعليماتهم من مصدر واحد.
أما المِشية الشبحية فلها طقوس خاصة لا يتقنها إلا الشبح الأصيل..
تباطؤ مقصود يوحي بالثقة والسيطرة مخلوطا أحيانا ببعض (الحنجلة) وتصعير للخد بشكل يثير الأشفاق أكثر مما يوحي بالتعالي والكبر..
ونظرة ذات مغزى سيرمقك بها إن اوقعك حظك العاثر في طريقه..
نظرة يفترض أنها تحمل تهديدًا مبطنًا ودهاء وخبرة لا قرار لهما..
نظرة تخفي في الحقيقة ارتباك شاب لم يعلمه أحد كيف تكون المعاملات والذوقيات فخرج لا يعرف كيف يواجه العالم إلا بهذه النظرة الفجة..
وعن لهجته أو لغته فحدث ولا حرج.
مزيج عجيب مريب سيختلف طبعا بين الطبقتين لكن المآل واحد..
كوكتيل لغوي مُفخخ تختفي فيه أداة النداء "يا" وتتحول إلى همزة خاطفة تسبق الوصف الذي سيناديك به..
آسطى..
أصاحبي..
أزميلي..
أشقيق..
لو لم تكون خبيرا بلغة الأشباح فستظنها بلاغة لغوية لكنك ستتراجع عن ذلك الظن حين تميز بسرعة ما تسمعه عبر سماعات (التكاتك) إن كنت في منطقة تكثر فيها تلك الأخيرة..
نعم هي طبعا نفس المفردات العتيدة
"الجدعنة" و"الرجولة" و"السندلة" و"غدر الصحاب" وهم بالكاد يميزون بين الثلاثة الأول، بينما يُسقِطون الرابعة على كل من يختلف معهم في الرأي.
ولو تغاضيت عن البذاءة والألفاظ الخارجة التي هي للأسف لا تفارق أغلب الأشباح عبر الطبقات ؛ فستجد أن كلمات الشبح ستتخللها كثيرا مصطلحات اشتهرت عبر أفلام البلطجة ومسلسلاتها سيرددها بصوت ممطوط أحيانا ومرتفع جدا أحيانا أخرى معتقدا أنها تمنحه "هيبة" واضحة أمام أقرانه..
أو حتى أمام مرآته!
ولا يمكنك أيضا أثناء تأمل الحالة الشبحية أن تتجاهل العلاقة الوطيدة بـ "المكنة الصيني" التي يعشقها الأشباح..
تلك الدراجة النارية رخيصة الثمن، عالية الصوت جدا بإضافات ميكانيكية رخيصة إن كان الشبح فقيرا أو بصوت أعلى وأكثر هيبة لو كان الشبح غنيا وصارت (المكنة) تحمل اسم (Race)
المهم أن الدراجة البخارية ستتحول بين أيديهم إلى أداة إزعاج رهيبة وأحيانا أداة استعراض مميتة..
لا شك أنك لو كنت من أهل الطرق وسواء كنت تقود سيارتك أو تركب المواصلات لعملك؛ فلعلك لاحظت يوما الحركات البهلوانية التي يحرص الشبح على استعراضها على ظهر (المكنة)!
قد تراه واقفا على متنها أو جالسا القرفصاء وأحيانا نائما مضطجعا أو في وضعية السوبرمان!
المهم أن تجد وضعا عجيبا مخيفا ينافي الجلسة الطبيعية على ظهر دراجته متحديا قوانين الفيزياء والمنطق السليم، غير عابيء بالخطر الداهم والواضح الذي يتربص به وبالمارة وبقلوب المشفقين.
لعلها طريقتهم في الصراخ للعالم: نحن هنا! موجودون..
لنا قيمة وكيان..
انظروا إلينا لو سمحتم!
صيحات بلغة أخرى يتقنها أغلبهم
لغة الإطارات التي تحرق الأسفلت تحت أجزاء المكن الرديء الذي سرعان ما سيتحول إلى كومة من خردة محطمة حين يقع المحتوم وتتحقق دعوات المتأذين وحسبنات المتضررين..
المشكلة حين يتحول الشبح مع حديد المكنة إلى مجموعة مشابهة من العظام المحطمة التي ترقد بين الحياة والموت في قسم الطوارئ بأحد المستشفيات الحكومية ويقترب حثيثا من اللقب الذي سينتقل من الشبحنة إليه..
لقب "عريس الجنة"
تلك الكلمة التي ستوضع على صورته في مدخل حارتهم وعلى صفحات تواصل أصدقائه..
لكن قبل ذلك ولو كان في صدره نفس يتردد فسيبدأ في المستشفى فصل آخر من الدراما الشبحية خصوصا إذا لم يستطع الطبيب المسكين تقديم الكثير..
استعد حينئذ لمشاهدة "الأصحاب الجدعان" ومعهم أهل "الشبح" المتراقص على ماكينة الموت وهم يمارسون نوعًا آخر من المجدعة واستعراض القوة..
ليس على الأسفلت هذه المرة، ولكن على الأطباء والممرضين وكل من سيعترض من العاملين بالمشفى، محملين إياهم مسؤولية ما حدث، وكأن قوانين الجاذبية والسرعة الفائقة والتراقص المتهور الذي كان يلهو الشبح؛ كل ذلك هو محض مؤامرة قام بها الطاقم الطبي ضد فقيدهم الذي لم يفعل شيئا يذكر... اللهم إلا ما يشبه الا.نـ.تـ.حـ.ار..
أرجوك لا تظن أنني أسخر منهم أو اتعالى عليهم
معاذ الله..
أعترف أن ثمة ما يشبه السخرية لكنها بصدق ليست منهم..
ربما هي من الحالة المزرية التي أوصلتهم لهذه النسخة المؤلمة..
أما بالنسبة لهم فصدقا أنا أتألم لأجلهم..
إن "الأشباح" في نظري = ضحايا.
ضحايا لثقافة الاستهلاك الجشع التي حولت كل شيء إلى صورة، وكل قيمة إلى "ترند" عابر.
ضحايا لهذا السيل الجارف من السطحية الذي أغرقت كثيرا منا بدرجات متفاوتة..
لكن الأشباح للأسف قد غاصوا فيها حتى الآذان التي أبرزها ذلك القزع العنيف الذي يصرون عليه..
هم ضحايا لبريق الشاشات الخادع
ولضجيج المهرجانات الذي يملأ فراغ العقول والآذان ويقنعهم بأن "الكاريزما" والهيبة لا تشترى إلا بهذه الهيئة والطريقة التي تماثل هذا الممثل أو ذاك المطرب
يقنعهم بأن الظهور هو ببساطة أهم من الوجود.
لكن هذه الواجهة غالبًا ما تكون أوهن من "الإكتوبلازم" الذي تتكون منه مادة الأشباح في أفلام الرعب والروايات..
خدش بسيط بموقف حقيقي، وسترى "الشبح" الصلب يذوب أمامك إلى هلام مرتبك وتظهر الحقيقة مباشرة..
حقيقة شاب يبحث بيأس عن هوية وقبول، فاختار أقصر الطرق وأكثرها لمعانًا..
التقليد والمحاكاة.
الحق أنهم ليسوا مجرد "مُقلّدين"
اعتقد أن الأدق كونهم ممثلين بالوكالة لأدوار لم يختاروها وأزياء لا تناسب أرواحهم!
أصداء مشوهة وظلال باهتة تبحث عن صورة مرضية في مرايا "الترند" التي تلتقط الأكثر صخبًا وغرابة لا لشيء إلا لتُرى وتُسمع في عالم لا يلتفت إلا للضوضاء.
لذلك ورغم ما صدرت به مقالي من أنني لا أستريح في وجود الأشباح إلا أنني أنصحك حين ترى أحدهم أن تتذكر حقيقة تلخص ما صدعتك به في السطور السابقة..
حقيقة كون ما تراه أمامك هو مجرد عَرَض جانبي لأزمة أعمق..
أزمة زمن غابت فيه القدوات الحقيقية وأصبحت "الترندات" هي البوصلة الرئيسية..
وربما الوحيدة!
عَرَض لمرض بحاجة حقيقية إلى ما يهونه أو يخفف حدته وما يعالج السبب الحقيقي الكامن وراءه..
بعض التوجيه الذي يناسب فهمه..
جرعة من الواقع تُصب في فمه كدواء مُر..
نصيحة هادئة بلغة يدرك مدلولاتها وتنتزعه ولو قليلا من أمام سيل مقاطع التيك توك والريلز..
الحق أنني لن أزعم امتلاك العلاج أو وصفته الجاهزة كما أفعل مع مرضاي فالعيادة فالآفات التي أعالجها في تخصصي أبسط وأكثر مباشرة..
لكنني على يقين أن لكل داء دواء وليس الحل مع هذا الداء هو البتر وإلا بتر كل مصاب ساقا أو يداً إذا اشتكت..
قد تكون مجرد بدايات على طريق استعادة أرواح حقيقية تحل محل تلك الأشباح الهائمة في شوارع مدينتنا..
أم أنها ستظل هائمة؟!
#رسائل
ربما كانوا يهمهمون باعتراض مكتوم، من الواضح أنها معجزة لموسى..
لكنه قد قرر الخوض
وفي منتصف المسافة، التأم البحر. انطبق بدون مقدمات.
غاب الجند في الأعماق، وكتمت الأمواج صرخاتهم.
صوت واحد مختنق يغرغر وسط ملوحة البحر وطميه: ﴿آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.
عبارة طويلة، أليس كذلك؟
أكثر من عشر كلمات ليست تحوي كلمة التوحيد..
كل تلك الحروف، ولسانه الأثيم يثقل عن النطق باسم "الله" صراحة.
﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾.
تدعي الإيمان الآن؟
ليست التوبة لمن يعمل السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن.
هنالك هلك القلب المتكبر الذي قال يوما أنا ربكم الأعلى.
صار آية لمن خلفه، والطين في فمه والرعب على قسماته.
وصدق الموقن الكليم في حرفه الواثق: ﴿كَلَّا﴾.
مشهد متكرر لعزة قلوب الأنبياء.
توحدت كلماتهم واعتزازهم عبر الأزمان، من نوح وهود وصالح إلى لوط وشعيب
مصدر التلقي واحد، فتوحدت المواقف.
وفي ختام السورة، تفتح لنا الآيات مشهدًا آخر من مشاهد القلوب، هذه المرة من خلال صورة الشعراء الذين يتبعهم الغاوون:
﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾.
إنه نموذج قلب لا تستقر له وجهة، ينتقل من وادٍ إلى وادٍ، ومن فكرة إلى نقيضها، ومن موقف إلى آخر، تحركه اللحظة وتستدرجه الأهواء، حتى تصبح الكلمة عنده أسرع من الضمير، ويصبح القول عالمًا مستقلًا عن الفعل.
يقول ما لا يعتقد، ويمدح ما لا يؤمن به، ويذم اليوم ما كان يمدحه بالأمس، وقد يلبس الباطل ثوب الحق إذا كان في ذلك ما يرضي جمهورًا أو يكسب تصفيقًا.
اللافت أن السورة لم تترك هذه الصورة على إطلاقها، ولم تجعل الشعراء جنسًا واحدًا؛ فقد استثنت منهم أهل الإيمان والعمل الصالح
﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾.
القضية في النهاية تعود إلى القلب الذي يصدر عنه القول، وإلى المسافة بين ما يؤمن به الإنسان وما ينطق به لسانه، وبين ما يعلنه وما يعيشه.
وهكذا تكتمل صورة التفاوت بين القلوب في السورة.
قلب يقسو ويعلو حتى ينازع الله في ربوبيته، وقلب يبيع موقفه عند أول مكسب، وقلب يهيم وراء كل وادٍ من أودية الهوى، وقلب يثبت حين يرى آية الله، وقلب نبي يحمل للناس رحمة تكاد تذهب بنفسه حسرات عليهم.
وبعد كل هذه الرحلة بين القلوب، وبعد أن رأينا كيف يمكن لقلب أن يتضخم فيه الكبر حتى يرى نفسه إلهًا، وكيف يمكن لقلب آخر أن يبيع صاحبه من أجل حفنة أجر، ثم ينقلب في لحظة واحدة إلى يقين يستهين بالموت، وبعد أن تأملنا قلوبًا ضاقت بالحق حتى حاربته، وقلوبًا اتسعت له حتى صارت مأوى للرحمة والعزة والثبات... نصل إلى السؤال الذي كانت السورة تمهد له منذ بدايتها
أيُّ هذه القلوب ينجو؟
هنا يترك سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام كل تفاصيل الرحلة، ويقف بنا أمام المشهد الأخير.
لا أوتاد ستبقى، ولا أعمدة عاد، ولا حدائق النعيم التي اغتر بها أصحابها، ولا تلك الأجساد التي بطشت وتجبرت. سيأتي يوم تُستدعى فيه الخلائق من قبورها، وتُطوى صفحات الأسماء والمناصب، ويقف الإنسان عاريًا من كل ما كان يستمد منه قيمته في الدنيا. عندها ترتفع مناجاة الخليل، كأنها وصية قلب عرف الطريق، وأدرك أن كل ما عداه قابل للضياع:
﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾.
كلمات تلخص كل شيء..
سيدنا إبراهيم عليه السلام، أبو الأنبياء، وخليل الرحمن، الذي ابتُلي فوفّى، وترك أهله في وادٍ غير ذي زرع، وواجه قومه وحده، وأُلقي في النار، ثم ابتلاه الله بذبح ابنه، ومع ذلك كله يقف يوم القيامة سائلًا ألا يُخزيه الله.
أعظم ما يشغل قلب العارف بالله، بعد أن انقضت معارك الدنيا كلها، هو مصيره حين يقف بين يدي ربه.
هي لحظة تسقط فيها كل الحسابات.
المال الذي أفنى صاحبه عمره في جمعه سيبقى وراءه، والأبناء الذين كان يستمد منهم امتداده في الأرض لن يحملوا عنه شيئًا، والوجاهة التي كان الناس يفتحون له بها الأبواب لن يكون لها صوت هناك.
حتى الجسد الذي أفنى سنواته في تزيينه وتقويته سيعود إلى أصله، ويقف صاحبه بما حمله في داخله.
ويبقى القلب.
تلك المضغة التي كانت ساحة المعركة منذ البداية
القلب الذي تنازعت عليه الأهواء والمخاوف والشهوات، والذي دخلت إليه رسالات السماء مرة بعد مرة، فاستجاب بعضها وأغلق بعضها الأبواب. هو نفسه الذي سيحمله الإنسان إلى الله، وقد تراكمت فيه آثار اختياراته الصغيرة، وتوباته المؤجلة، وصدقاته الخفية، ومقاوماته التي لم يصفق لها أحد.
والسليم فقط من ينجو من الخزي..
القلب السليم هو الذي سلم من الشرك، ومن الآفات التي تفسد علاقته بربه؛ قلب عرف أن الطاعة لله وحده، وأن الخوف الذي يملك صاحبه ويصرفه عن الحق عبودية مستترة، وأن المديح الذي يشتري به المرء رضا الناس قد يتحول إلى قيد حول عنقه.
قلب لا تستخفه الدنيا كلما لوّحت له بمكسب، ولا تستعبده كلما رفعت في وجهه سوطًا، ولا يبتلع الباطل لمجرد أن الجمهور سيصفق له.
قد يمرض هذا القلب ويضعف، وقد تعصف به الفتن، وقد تتنازعه الرغبات، لكنه يعرف جيدا طريق العودة.
يوجعه ذنبه، ويستوحش من قسوته، ويخاف أن تطول المسافة بينه وبين ربه.
أما أخطر ما يصيب القلب، فأن يألف مرضه، ويستريح إلى عماه، ثم يظن أن الجدار الذي بناه حول نفسه هو صورته الأصلية.
هذا هو الفارق الأعمق بين قلوب السورة
القلب لا يُقاس بما يعلنه صاحبه عن نفسه، ولا بما يملكه من أدوات المعرفة والبلاغة، ولا حتى بما يظهره من قوة في لحظة المواجهة.
تكشفه وجهته حين تتعارض الحقيقة مع مصلحته، وحين يصبح ثمن الإيمان باهظًا، وحين لا يبقى بينه وبين الحق إلا أن يختار.
لهذا، بعد أن كشفت السورة مصائر القلوب، تعود إلى النبي ﷺ بكلمات تحمل من الطمأنينة بقدر ما تحمل من الهيبة:
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
وكأن النداء يا محمد.. أنت ترى قسوة القلوب، وتسمع التكذيب، وتشاهد قومك يمضون إلى مصائرهم، ويكاد الحزن عليهم يستهلك روحك.
وقد رأيت كيف انتهى أمر المجرمين، وكيف عجزت أسبابهم عن دفع قدر الله، وكيف لم تنفع أصحاب القوة قوتهم حين جاءهم بأسه.
فاستند إلى العزيز الذي لا يُغلب، والرحيم الذي لا يضيع عنده صدق ولا يخفى عليه وجع.
يا لعظمة اجتماع الاسمين هنا من جديد اجتماع ختامي
توكل على العزيز الرحيم.
هو العزيز الذي لا يملك أحد أن يعطل أمره، والرحيم الذي يعلم ما يعتمل في صدر عبده، ويرى قيامه وتقلبه في الساجدين.
يرى الحركة التي لا يراها الناس، ويسمع الدعاء الذي قد لا يجاوز القلب ليكتمل في الحلق، ويعلم من النفس ما عجز صاحبه أحيانًا عن التعبير عنه.
إن في قوله تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ عزاءً خاصًا لكل قلب أثقلته وحشة الطريق.
فالناس قد يرون منك موقفًا واحدًا، ويحكمون عليك من مشهد عابر، وقد لا يعرفون شيئًا عن تلك المعارك التي تخوضها وحدك، ولا عن رجفة قلبك حين تقرأ آية، ولا عن سجدة طويلة حاولت فيها أن تجمع شتات نفسك.
أما ربك فيعلم ذلك كله.
يعلم ما تُظهر وما تخفي، ويعلم موضع الألم الذي لم تستطع أن تضع له اسمًا.
كم من إنسان أمضى عمره في ترميم واجهته، ولم ينتبه إلى الشقوق التي اتسعت في داخله؟
وكم من آخر بدا للناس مكسورًا، قليل الحيلة، لا يملك من الدنيا ما يلفت النظر، بينما كان في صدره قلب أثمن من كل ما يتنافسون عليه؟
ستهدأ يومًا أصوات الجدل، وتُطوى الصحف، ويخفت التشويه، ويغادر الشعراء كل وادٍ هائمين، ويبقى الإنسان وحده أمام الحقيقة التي لم يكن يملك تأجيلها إلى الأبد.
حقيقة قلبه..
في ذلك اليوم لن يسأله أحد عن عدد المعارك التي خاضها، ولا عن عدد الذين صفقوا له، ولا عن حجم المساحة التي احتلها اسمه في ذاكرة الناس.
عندئذ سيكون السؤال الأثقل....
بأي قلب أتيت؟
فصل سورة
#الشعراء
من كتابي
#مفاتيح_سور_القرآن
تطالعك أيضا قلوب أصحاب الأيكة في مدين..
قلوب أعمتهما السخرية وابتلعتها غطرسة الجهل، فاستخفت بالهلاك، وتجرأت على من في السماء اجتراء أدى لاستعجال العذاب: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِّنَ السَّمَاءِ﴾.
حتى السحرة.. انظر إلى قلوبهم قبل أن يمسها يقين اللحظة الحاسمة.
كانت مجرد قلوب خاوية تعمل كتروس في ماكينة المادة البحتة.
قلوب لا تنبض إلا بحسابات المكسب والخسارة، وكان سؤالها الأول والأخير عن ثمن الولاء
﴿أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾. وحين تسيطر الدنيا على القلب وتخنقه، يصير السحر مجرد وظيفة ومجابهة نبي مكلم = مجرد عقد عمل روتيني، ويصبح القرب من مقعد فرعون هو أقصى طموحات تلك الروح الشبقة... لذلك طمأنهم فرعون الذي أدرك طمع قلوبهم للأجر..
﴿نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾.
لكن كل هذا التكلس تبخر قبل أن يروا الآية وتلمس قلوبهم... ثم يخرون للأذقان سجدا خاضعين
قبل أن تخالط بشاشة الإيمان هذه القلوب، كان الهم كله معقودًا لالطين.
فلما رأوا الآية الحق، وانقشعت غشاوة الزيف، انقلب الميزان بلمحة بصر.
هي ذات القلوب التي كانت تستجدي الأجر قد وقفت لتواجه وعيد التقطيع والتصليب بيقين يزلزل الجبال قائلين ﴿لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾.
ما الذي حدث هنا؟
ما الذي غير هؤلاء في ثوانٍ معدودة من مرتزقة يلهثون خلف فتات، إلى موقنين يستهينون بتمزيق أجسادهم؟
إنه القلب...
ذلك الذي متى لامسته حرارة الإيمان وتذوق بشاشته = تبدو أمامه كنوز الأرض وتهديدات سكانها كألعاب رخيصة تُركت في محل مهجور لم يعد أحد يعبأ بالمرور أمامه.
حين يستقيم الميزان في تلك الغرفة المغلقة خلف الضلوع، وتنفض الروح عن نفسها بقايا المادة، يُرفع الشعار الخفاق مجلجلا..
"والله خير وأبقى"
من هنا تأخذك السورة إلى الجهة المقابلة لهذا الصخب لتبصر ملامح القلوب الأخرى..
القلوب السليمة..
قلوب الأنبياء والمرسلين ومن تبعهم بإحسان.
قلوب حية تتقلب في جمال أخاذ بين صفتين تبدوان، لمن تعطلت بصيرته، متناقضتين:
"العزة" ، و"الرحمة"
هذا التوازن العجيب ليس صدفة
هو أشبه بإيقاع يضبط حركة القلب المؤمن في جنبات السورة كلها، تتردد معانيه وتجلياته كدقات ساعة كونية عبر اقتران اسمين من أسماء الله الحسنى، تكررا تسع مرات متتالية:
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.
إن المؤمن في خضم هذه الحياة القاسية يحتاج إلى هذا الميزان الدقيق لئلا يضعف ويميع أو يقسو ويغلظ.
يستمد عزته وثباته من إله "عزيز"؛ فلا يرهب مخلوقًا، ولا تنكسر روحه إلا بين يدي خالقه.
وعلى التوازي، يستمد رحمة لا تنضب من إله "رحيم"؛ فلا يتحول إلى صخرة صماء أو في مواجهة الدنيا والواقع.
في سورة الشعراء، يتجلى نموذج هذه الرحمة في شفقة قلب النبي ﷺ، تلك الشفقة التي كادت تهلكه حزنًا على قومه: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾.
توقف هنا قليلًا أمام مفردة "بَاخِع".
في لسان العرب، البخع هو قهر النفس وإهلاكها غمًا؛ وقيل هو الذبح حتى مؤخرة العتق!
أن تبلغ من الحزن أقصاه حتى توشك أن تذبح من الوريد إلى الوريد كمدًا وحسرة.
النبي ﷺ لا يحزن على دنيا فقدها، ولا على ملك نازعوه إياه..
هو حزن عليهم.
الأنبياء يا عزيزي لا يقفون موقف المنتقم المتشفي الذي ينتظر سقوط خصمه ليقول: "ألم أقل لكم؟"،
هم يقفون موقف الطبيب الحريص الشفرق الذي يرى مريضه يسكب الدواء النافع على الأرض ليحتسي السم بدلا منه.
إنها رحمة خالصة يتأثر صاحبها من فرط إشفاقه على مصائر من يكرهونه ويعادونه.
تتدفق هذه الرحمة الممزوجة بالمحبة في مناجاة الخليل إبراهيم عليه السلام وحديثه عن ربه جل جلاله..
مناجاة لا تخرج إلا من أحد تلك القلوب التي نتحدث عنها..
القلوب السليمة..
إنه نموذج المحب الذي إذا سُئل عن حبيبه أبدع في الكلام، ووصل صدقه، ووجدت رسالته طريقها إلى أعتى القلوب.
يقف أمام قومه ليكلمهم عن ربه بلسان يقطر حباً:
﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾.
هذا ليس تنظيرًا بارداً، ولا استعراضًا لفلسفة معقدة.
هذا قلب متودد يفيض حبه على كل حرف نطق به ة.
هو بوح قلب عرف الله حق المعرفة، فأحصى مننه وآلاءه، ففاضت المحبة على كلماته كينبوع صافٍ.
وما كان من القلب وصل إلى القلب، وليست النائحة الثكلى أبدًا كتلك المستأجرة.
انتظر حولك سترى يقينا قوما من حولك عرفوا أعراضًا من الدنيا، فبرعوا في الحديث عنها...
من أكثر السور التي عُنيت بهذه المعركة وهذا التمايز؛ سورة الشعراء.
سورة مهيبة يتكرر فيها الحديث عن القلوب وأنواعها ومآلات الإنسان المترتبة على أحوالها..
نزلت هذه السورة في فترة مكية خانقة، حيث بلغ تغول الباطل مداه، واشتدت الحرب النفسية والإعلامية لكسر إرادة المؤمنين.
وفي ذلك العالم لم تكن هناك شاشات براقة ولا خوارزميات توجه الجموع..
كان الشعراء هم الآلة الإعلامية السائدة والقادرة على رفع قبيلة إلى عنان السماء أو طمس هويتها ببيت واحد يخاطب الوجدان.
في خضم هذه العاصفة، تجاوزت سورة الشعراء صور المواجهة المادية وتوجهت مباشرة إلى المركز:
﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾.
تأمل التحديد الدقيق لمحل التلقي. الوحي لا يُسكب في عقول باردة كما تُسكب البيانات في رقائق السليكون، الوحي يتنزل على قلب حي، مستعد، يملك قابلية التلقي، ويعرف كيف يرتجف حين يلامس النور موضعه الصحيح.
القضية ليست وجود قلب عضوي يضخ الدم، هي تتعلق بذلك المعنى الذي تتشكل به الحياة أصلًا.
إن اعترى ذلك المحل خلل، ولم يكن للمرء قلب متجهز لاستقبال النداء، وجب عليه مجاهدة النفس حتى يكون ممن ﴿أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾،
وبإلقاء السمع وملامسة معاني القرآن، يبقى الظن بالله حسنًا أن يرزق من داوم على هذا البذل قلبًا يعي ويتذكر.
من هذه النقطة، تفتتح السورة عرضا فسيحًا لأنواع القلوب، لتروي حكاية هذه القلوب حين تتمايز في صور مدهشة..
قد يتجاور شخصان في المكان نفسه، ويسمعا الكلام نفسه، ثم يكون بين ما انتهى إليه قلب كل منهما من البعد كما بين الحياة والموت!
قلوب تسمع الآيات نفسها فتزداد إصرارًا على العمى، وقلوب لا تملك من الدنيا شيئًا فتجد في لحظة واحدة طريقها إلى اليقين.
وعقول تحسن تدبير شؤون الدنيا على أكمل وجه بينما تجهل قدر خالقها، وقلوب كانت بالأمس تطلب الأجر الدنيوي طامعة مشتهية، فإذا بها تقف بعد حين أمام الأذى الدنيوي ثابتة لا تساوم.
على الجانب الأول من هذا العرض المفصل، يبرز الطرف شديد الصخب: قلوب المجرمين المتصلبة التي فقدت قدرتها على النبض الروحي.
قلوب اختارت العتمة طويلاً حتى كرهت النور ولم تطق وميض الحق لحظة..
هنا تقف أمام كلمة لها وقع مهيب ترسم حركة الحق داخل هذه القلوب المريضة:
﴿كَذَٰلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾.
"سلكناه".. أي أدخلناه ونظمناه كما يُسلك الخيط في الإبرة.
الذكر والبيان يدخل قلب المجرم بالفعل..
يتسرب إلى أعماقه،
يخترق جدرانه، لكنه دخول كشف وفضيحة وإقامة حجة.
هذه القلوب تتعامل مع الوحي كما يتعامل المريض اليائس مع دواء مر لا يقوى على تحمل قسوة طعمه..
بل يراه تهديدًا مباشرًا ومصدر خطر يجب إيقافه فورًا.
وقلوب المجرمين لا تعرف الحياد، وكلما اقترب الحق منها ولامس أنسجتها، أفرزت قسوة مضاعفة تتناسب طرديًا مع حجم الرعب الداخلي وانهيار يقينها الزائف.
و فرعون في سورة الشعراء نموذج كاشف لهذا النوع من القلوب..
قلوب لا تكتفي بالسيطرة المادية على الأجساد والأرزاق ولكنها أيضا تبغي احتكار الأرواح.
إن فرعون لم يكتف بادعاء الربوبية ولكنه أراد مصادرة الغيب نفسه، واحتكار الألوهية ليضمن ولاءً حصريًا لا يشاركه فيه أحد
﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي﴾.
هو يدرك في قرارة نفسه، وهو ينظر في المرآة، أنه ليس خالق الناس ولا رازقهم، لكنه لا يقبل أن يصرف رعاياه نبضة تعبد أو طاعة لغيره.
لذا، وحين جابهه موسى بحجة هادئة لا تقبل الدحض، تعطلت لغة العقل، وظهرت الآلية الدفاعية للقلوب الخاوية حين ينكشف زيفها.
لقد تحول فورًا من طاولة النقاش إلى مقصلة التهديد
﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَٰهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾.
وهنا تبرز الاستجابة الغريزية لكل قلب لا يملك حجة..
في سورة الشعراء لم يكن قلب فرعون يسير وحده في هذا الموكب المشؤوم.
ستجد في الطريق قلوب قوم نوح.. قلوبًا نخرها الكبر الطبقي وتآكلت بالغرور لتقيس الحق بمنزلة حامليه الدنيوية وليس بنور الرسالة..
قلوب تحتقر الضعفاء وتزدريهم في صفاقة غليظة
﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾.
ثم تمر السورة بقلوب قوم عاد..
قلوب قد تضخمت بغطرسة القوة، أسكرتها الأجساد الفارهة والعضلات المفتولة والأعمدة الشاهقة، فاستمرأت سحق الآخرين بدم بارد
﴿وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾.
ثم تصطدم بقلوب قوم ثمود..
قلوب بلغ بها التبلد والفجور حدًا مرعبًا؛ أن تقف أمام الآية الإلهية النابضة بالحياة - ناقة الله التي ابتعثها لنبيه صالح - فلا تجد تلك القلوب استجابة في شرايينها المتيبسة سوى سن السكين وذبح المعجزة ذاتها.. ﴿فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ﴾.
كرة القدم وموديلات السيارات وخطوط الموضة،
لقد عايشوها وأحبوها وتفانوا فيها فكان الحديث المسترسل الشغوف..
دعهم يحدثونك عن ربهم... هنا قد يظهر الفارق..
فارق القلب..
بعضنا لو طُلب منه الحديث عن ربه لدقيقة واحدة لتلعثمت شفتاه، وتجمدت أفكاره..
المعايشة هي أساس الفهم، والمعاملة هي أصل المعرفة الحقيقية والتي محلها هناك..
في القلب
في مقابل هذه الرحمة الفياضة، تبرز "العزة" الفولاذية ظهورًا مدهشًا ليكتمل الميزان الذي رسخه الاسمان المتكرران في السورة.
تأمل عزة موسى عليه السلام حين حاول فرعون ابتزازه بخطأ الماضي وحادث القـ.تـ.ل القديم..
كان يمكن لسيدنا موسى أن يرد بكثير من التبريرات والدفاع عن النفس، وأن يشرح بتفصيل كيف أن القـ.تـ.يل كان معتديًا صائلًا، أو ربما يربط الأمر بسجل فرعون في ذبح أطفالهم واستحياء نسائهم.
لكن صاحب الرسالة لا يملك رفاهية إضاعة العمر في جدل عقيم، وتبرير الأفعال، والوقوف طويلًا أمام مرايا الناس لتلميع صورته.
لقد اعترف باقتضاب الصادق الواثق، وتجاوز النقطة فورًا نحو الهدف الأسمى
فجاءهة الرد حاسمًا مجردًا من أي مراوغة: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾.
لقد اعترف بما حدث وتجاوزه فورًا، ثم سدد كلمته التي قلبت ميزان الامتنان الزائف: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، ناقلًا القضية من منة تربية طفل إلى جريمة استعباد أمة.
ولما فرّ فرعون إلى الطعن في العقيدة متسائلًا باستعلاء: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، تجاهل موسى استخفافه وأجابه بما يعتقد بكل قوة وعزة: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
. وحين لجأ للسخرية لتحشيد ملئه، اقترب موسى بالحجة لتزلزل جذور اعتقادهم: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾.
حتى عندما انحدر الحوار إلى السباب الصريح واتهامه بالجنون، ترفع كليم الله عن الرد على الإهانة الشخصية، ومضى يقرع ببرهان الربوبية: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ و ليثبت أن عزة صاحب الرسالة تكمن في استعلائه التام على حظوظ نفسه، وتركيزه المطلق على إعلاء كلمة الحق مهما تكاثرت حوله سهام التشويه والابتزاز.
كلمات واضحة مركزة محددة الهدف، ثم يمضى في طريقه لا يلتفت
ثم لتسطع العزة المتوكلة في أبهى صورها في ذلك المشهد المهيب..
حين تجمعت كل عناصر النهاية المحتومة.
بحر هائج متلاطم الأمواج أمام قوم أنهكهم السير، وجيش جرار يقترب من خلفهم.
غبار كثيف يتصاعد من سنابك الخيل كأنه عاصفة رملية..
صليل المعادن يقترب
الأنظار المذعورة تتوجه نحو جيش فرعون.
في تلك اللحظة، سرى اليأس في قلوب قوم أفسدت فطرتهم عقود طويلة من الاستعباد المذل، وظهر الخوف في أعين تدور في محاجرها كالموتى، فنطقوا بأصوات تقطر فزعًا وفقدانًا تامًا للأمل: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾.
نسوا بلمحة بصر كل الآيات التي رأوها. نسوا العصا، واليد البيضاء، والجراد، والضفادع، والدم.مسحت الصدمة ذاكرتهم، ونسوا وعد نبيهم.
ثم كانت المفاجأة
هزة عزة و يقين وإفاقة لقلب كل مرجف واهن بكلمة واحدة، من ثلاثة أحرف فقط، بدد بها موسى الكليم كل غيابات الإرجاف: ﴿كَلَّا﴾.
قالها وضيئة تتلألأ بأنوار العقيدة.
حاسمة، قاطعة، لا تتلعثم.
وكيف لا يفعل وهو الذي ارتقى درجات الثقة درجة تلو أخرى؟
لقد تذكر الوعد الرباني القديم المحفور في قلبه: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ﴾. هذا الوعد وجد قلبًا شديد الخصوبة لتنمو فيه جذور الثقة المطلقة.
هو يدرك يقينًا معنى المعية، معية الملك الحق، فكيف يخاف؟
لذا قالها بحزم نافذ يخرق هدير الأمواج وصهيل الخيل: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾.
لا توجد في تلك اللحظة أي أسباب أرضية للنجاة.
البحر ثائر يطلب الغرق، ومدعي الألوهية يقترب ليتسلى بذبحهم.
لكن موسى يصدق ربه..
وهذا التصديق يسبق علمه بالتفاصيل.
ربما هو لا يعرف "كيف" سينجو، لكنه يعرف "من" سينجيه.
ثم جاء الوحي.
ارتفعت العصا لتحول المغرق العميق إلى ملاذ آمن.
وسبحان من بيده مقاليد الأمور
قد جعل الملاذ مغرقًا لولد نوح حين آوى إلى الجبل، وها هو اليوم يجعل المغرق ملاذًا لموسى وقومه.
انشق البحر، فكان كل فرق كالطود العظيم.
جبلان شاهقان من الماء وبينهما وادٍ يابس، ليمر بنو إسـ.رائيل يسارعون الخطى نحو النجاة، تاركين خلفهم كل مخاوفهم..
على الجهة المقابلة، كان فرعون يراقب بابتسامة عريضة.
بين يديه آلاف الفرسان وقد اشتاق للانتقام من موسى الذي أذلته آياته يوم الزينة.
تقدم الأحمق يقتحم المخاضة المرعبة بغرور وكبر وتقدم الجند خلفه..
في غرف الطواريء يدخل المصاب محمولًا بسرعة شديدة..
ثيابه قد تحول لونها للون الدم وربما عظمة مكسورة تخترق الجلد، وجبهة تنزف بغزارة.
تتزاحم الوجوه، وتتحرك الأيدي الخبيرة في توتر منظم بينما تلمح عين الطبيب المناوب تلك الشاشة التي يتحرك فيها خط رتيب..
شاشة تمثل حالة القلب..
وفجأة.. يتغير المشهد كله.
تُترك الكسور جانبًا، ويُنسى نزيف الجبهة تمامًا، وتتسمر العيون على تلك الخطوط المتعرجة الخضراء.
إن القاعدة صارمة تخلو من العواطف: يمكنك تأجيل خياطة الجرح، ويمكنك تجبير العظم لاحقًا، لكن إذا استوى الخط ودوت الصافرة المتصلة لابد أن تُستنفر كل الجهود والمعارف والخبرات لإجبار عضلة بحجم قبضة اليد على الانقباض.
تُضخ أقصى جرعات الأدرينالين، وتُضرب الصدور بالصدمات الكهربائية القاسية.
فإن استسلمت تلك المضخة وأعلنت التوقف، أُغلق الملف، وصارت بقية الإصابات المروعة تفاصيل تافهة في جسد لم يعد صاحبه هنا.
أما إذا عاد الخط المستقيم إلى حركته وتعرجاته فسيتنفس الجميع الصعداء ويبدأ كل منهم حسب تخصصه في النظر لباقي الأعضاء الأهم فالمهم حتى يخاط ذلك الجرح في إصبع المريض الأصغر..
هنالك يظهر حقا من هو القلب؟
يظهر ملك الأعضاء وسائر الجسد..
طوال سنوات دراسة التشريح، حفظنا تلك الحقيقة الجافة..
القلب آلة ميكانيكية رتيبة.
مضخة عضلية تنقبض وتنبسط مائة ألف مرة يوميًا بينما يحتكر المخ القابع في حصن الجمجمة مفاتيح العقل والإدراك، وبقي القلب مجرد عامل توصيل.
ثم جاء علم أعصاب القلب الحديث ليطأطئ رأسه أمام مفاجأة ثقيلة..
هذه المضغة التي تسكن القفص الصدري تحوي ما يشبه "دماغًا صغيرًا". شبكة معقدة من أربعين ألف خلية عصبية، لها ذاكرة خاصة، تفرز هرموناتها، وترسل إلى الدماغ رسائل تفوق بكثير ما تتلقاه منه.
ربما يفكك هذا بعض التناقض الذي يحيرك دائمًا..
كيف تجد عبقريًا في ميكانيكا الكم أو جراحًا فذًا، يعجز تمامًا عن إدراك أبسط حقائق الإيمان؟
عقله يعمل بكفاءة مدهشة..
المعالج سليم ظاهريا، لكن اللاقط المستشعر معطوب مغطى بالصدأ.
لذلك تجاوز القرآن النظرة التشريحية السطحية ليقرر حقيقة أخرى..
مركز الإدراك الحقيقي ومحل الفقه ليس الجمجمة
. ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾..
﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾.
هكذا وصف القرآن محل التعقل والفقه..
بل النظر ونقيضه..
إن لفظ العمى في القرآن ينفصل عن انطفاء النور في حدقة العين..
هو انطفاء للبصيرة داخل تلك المضغة المسيطرة.. . ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾.
القلب يا صديقي هو الساحة الحقيقية.
وفي تلك الغرفة المظلمة خلف الضلوع، تُحسم المعارك قبل أن تتحرك الجوارح خطوة واحدة.
ومن يمتلك مفاتيح القلب، يمتلك توجيه الإنسان.
وحينئذ تتمايز القلوب..
يجلس شخصان في نفس الغرفة، تطرق أسماعهما نفس الكلمات.
الأول تتسع مستقبلات قلبه، فيجد الوحي مكانًا رحبًا يستقر فيه، وتنساب أوامر ربه في دمائه براحة عجيبة. ﴿فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ﴾.
والثاني، تنزلق الآيات من على سطح قلبه كما ينزلق المطر عن حجر أملس.. أو ترتطم بجدار "الران" السميك والذي يحول بين القلب وبين تسرب أي بصيص ضوء..
بل إن الموعظة التي قد تُنضج قلبًا حيًا، ربما تزيد هذا القلب الميت تحجرًا.
تمامًا كما تتحول قطع الطين اللينة إلى فخار شديد الصلابة متى تُركت في قلب النار. ﴿فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ﴾.
هو القلب مرة أخرى كما ترى...
والقسوة لا تهبط فجأة ولكنها بناء تراكمي يُشيده الإنسان على مهل.
توبة تُسوف،
شهوة تُبرر،
معصية تقنع نفسك أنها لن تشكل فارقًا، وتنازل يطلي جدار القلب بطبقة جديدة من "الران" حتى يصير القلب كما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم "أسود مرباد كالكوز مجخياً.
تتبلد المستقبلات، ويمر صوت القارئ المؤثر على سمعه كما يمر قطار ليلي متسارع بمحطة قديمة تم هجرها منذ عقود.
وفي النهاية، قد تعمل عين الرأس بكفاءة، وقد ينبض رسم القلب بانتظام على شاشة الطوارئ، بينما يقبع في الصدر جدار متليف، طال عليه الصمت، حتى توهم صاحبه أن القسوة هي أصل خِلقته.
لذلك كانت معركة الوحي في جوهرها = معركة استحواذ على القلب.
معركة تدور في تلك المساحة الخفية خلف الضلوع، قبل أن تظهر نتائجها على الوجوه والمواقف.
هنالك تتشكل القناعات، وتترسخ الأهواء، ويُتخذ القرار الأول بالانقياد للحق أو مقاومته.
وقد يخسر الإنسان هذه المعركة قبل أن يدخل أي ميدان، حين يستقر في قلبه كِبر يمنعه من الاعتراف، أو شهوة تعميه عن العاقبة..