
تَمَاْيُز
يخشى البشر من التركيز لأنّهم يخشون أنْ يفقدوا ذواتهم إذا استغرقوا للغاية بشيء آخر، أو بفكرة ما، أو بحدث ما. وكلّما ضعفت ذات المرء تعاظمت خشيته من فقدانها أثناء التركيز على ما هو ليس ذاته. وبالنسبة لشخص لديه نزعة تملك مهيمنة، فإنّ خوفه من ضياع ذاته هو أحد العوامل الأساسيّة الذي يجعله يتوجه إلى عكس التركيز. وأخيرًا، فإنّ التركيز يتطلب حيويّة داخليّة وليس حالة من الإنهاك، وهذا النوع من النشاطات نادر في يومنا هذا. تكمن صعوبة التركيز، تبعًا للتحليل الأخير، في حصيلة البنية الكاملة لنظام الإنتاج والاستهلاك المعاصر. فكلّما ازداد عمل الإنسان لخدمة الآلة، أو تصرفه وكأنّه جزء من آلة يتم تصنيعها من الحديد أو الفولاذ، تقلصت فرصه للوصول إلى التركيز. إنّ إجراءات (عمليّة) العمل شديدة الرتابة لأن تسمح بالوصول إلى التركيز الحقيقيّ، وكذلك الأمر مع فعل الاستهلاك. فالسوق يعرض أكبر قدر ممكن من أجزاء مختلفة من السلع المسليّة، وبوجود هذه التشكيلة الكبيرة من المسليات لا يعود من الضروري أو حتّى من الممكن التركيز على شيء واحد فقط.
– إريك فروم| فن الوجود
كان إحساسي بأنّني محاط أينما ذهبت بأشخاص «يبثون» لكنّهم لا «يستقبلون» يُبادِر إلى ذهني أنّ النرجسيّة أيضًا حالة من فساد الانتباه. ففي ثقافة تسرق تركيزنا باستخدام هذه المحفزات الهامشيّة، ينسى البشر إنّ في داخلنا قوة تجعلنا قادرين على التركيز لفترات طويلة من الزمن وعلى الاستمتاع بذلك؛ وهي كفيلة بجعلنا أكثر غنى وأوفر عافيةً إذا هيّأنا الشروط المناسبة كي نعيش حالة الفيض. بعد أنْ أدركتُ هذا، فهمتُ السبب الذي كان يجعلني لا أعاني انزعاجًا فحسب، بل أرى نفسي قليل الشأن، مُقصِرًا، عندما أحس بأنّ انتباهي مشتت دائمًا. وذلك لعلمنا أنّنا لا نستخدم واحدة من أعظم قدراتنا عندما نكون بعيدين عن أي تركيز. عندما نحرم أنفسنا من حالة الفيض، نتقلّص إلى أنْ نصير «أجزاء» من ذواتنا فحسب، لأنّنا نحسّ أنّ لنا القدرة على ما هو أكثر من ذلك بكثير. لكن، ما هو ذلك الأمر؟ حتّى نتوصل إلى فهم أفضل، علينا ملاحظة البشر المنخرطين في نشاطات معيّنة. قال أحد متسلّقي الصخور ذات مرة: «سحر تسلّق الصخور هو التسلّق نفسه، تبلغ أعلى الصخرة وتكون فَرِحًا. مبرر التسلّق هو التسلّق، مثلما يكون مبرر الشعر هو كتابة الشعر!».
– يوهان هاري| تركيزنا المسلوب
إنّ أنبل البشر اعتادوا أنْ يكونوا أكثرهم تواضعًا. لا يقوم التواضع الفاضل إلّا على التفكير الذي نقوم به حول ضعف طبيعتنا، وحول الأخطاء التي قد نكون ارتكبناها في الماضي، أو أنّنا قادرون على اقترافها، والتي لا تقل عن الأخطاء التي يمكن أنْ يرتكبها الآخرون. إنّ الذين هم نبلاء بهذه الطريقة هم ميالون طبيعيًا إلى عمل أشياء عظيمة، وعلى كلّ حال فهم لا يبادرون إلى القيام بأي شيء دون أنْ يشعروا بأنّهم قادرون عليه، لذلك فهم دومًا بالتمام كيسون ودودون غير متكلفين. أضف إلى هذا أنّهم كليةً أسياد انفعالاتهم، وبشكل خاص أسياد الرغبات والغيرة والحسد، وسبب ذلك أنّهم يعتقدون بأنّ ليس هناك من شيء اكتسابه لا يتوقف عليهم يساوي الكثير كي يستحق بأنْ يتمنوه بشدة، وهم يتحكمون أيضًا في انفعال الكراهية نحو البشر، وكذلك هم أسياد خوفهم، لأنّ الثقة التي عندهم في فضيلتهم تمنحهم القوة، وأخيرًا فهم أسياد غضبهم، ومردّ ذلك أنّهم لما كانوا لا يحترمون كلّ الأشياء التي تتوقف على إرادة الغير إلّا قليلًا جدًا، لذا فإنّهم لا يعطون أبدًا لأعدائهم أية أفضلية تجعلهم يعترفون بأنّهم قد أهينوا بسببها.
– رينيه ديكارت| انفعالات النفس
لو حاولنا مرة أنْ نتفحص أنفسنا، وأنْ نستخدم في سَبر أغوارنا الوقت الذي نقضيه في مراقبة الآخرين ومعرفة الأمور التي هي خارجنا، فإنّنا سندرك بسهولة كيف أنّ نظامنا الباطن مُكوّن من عناصر ضعيفة وغير مكتملة. أليس عجزنا على الاكتفاء بأي شيء تحت سطوة الهوى والخيال، وعدم قدرتنا على تمييز ما يلزمنا، دليلًا قاطعًا على عدم كمالنا؟ وما يشهد على ذلك هو الجدل الكبير الذي ثار بين الفلاسفة عن الخير المتأصل في الإنسان، وهو جدل لا يزال دائرًا وسيدوم إلى الأبد، من غير أنْ يتوصلوا إلى إجماع عليه ولا لحل قاطع له. مهما كان ما يدخل في معرفتنا وما نملك، فإنّنا نحس أنّ ذلك لا يرضينا البتة، بحيث نجري دومًا وراء الأشياء المستقبليّة والمجهولة؛ لأنّ أمور الحاضر لا تنجح في إشباعنا. رغبتنا حائرة ومتقلبة؛ فهي لا تحافظ على شيء ولا تتمتع بشكل لائق بأي شيء، والإنسان يعزو علّة ذلك لعيب في الأشياء التي يملكها، ويتغذى ويحشو نفسه بتلك التي لا يعرفها ولا يفهمها، ناسبًا إليها رغباته وآماله. وكما قال يوليوس قيصر: «إنّه لخطأٌ شائع وطبيعيّ لدى الإنسان أنْ يحس بثقة متزايدة أو برهبة أكثر حدةً إزاء وضعيّة مجهولة وجديدة».
– ميشيل دو مونتيني| المقالات
إذن، سأمضي من هنا مثلما جئت إلى هناك، أكثر شيخوخةً زمنيًا مع تفكيرٍ أشد حزنًا. بإمكاننا أنْ نحس كثيرًا بما يولد مثلما بإمكاننا التفكير فيما سيموت.
– فرناندو بيسوا| اللاطمأنينة
@Tamay0z
الخير الأعظم في اعتقادنا هو أنْ نحسن الاكتفاء بذاتنا، نحن واثقون من أنّ أقل الناس حاجةً إلى الثراء هم الذين يتمتعون بهِ أكثر من غيرهم، فكلّ ما هو طبيعيّ يتيسر الحصول عليه، وكلّ ما هو غير طبيعيّ يصعب مناله. والمتعة التي نجدها في تناول طعام بسيط ليست أقل من تلك التي نجدها في المآدب الفاخرة، بشرط أنْ يزول الألم المتولد عن الحاجة. وإنّ قليلًا من خبز الشعير والماء يجعلنا نشعر بلذة عظيمة إذا كانت الحاجة إليهما شديدة. وبناءً على ذلك فإنّ التعود على العيش البسيط والقنوع لهو أفضل ما يضمن لنا الصحة الجيّدة وما يُيسر لنا الاستجابة لمتطلبات الحياة الضروريّة، كما أنّه يجعلنا، عند وجودنا أمام ما لَذ وطَابَ من الأكل، قادرين على التمتع بذلك حقّ التمتع، وهو أخيرًا ما يجعلنا لا نخشى تقلبات الدهر. وبالتالي فعندما نقول إنّ اللّذة هي غايتنا القصوى، فإنّنا لا نعني بذلك اللذات الخاصة بالفساق أو اللذات المتعلقة بالمتعة العابرة، كما ذهب ببعضهم الظن، نظرًا لجهلهم بمذهبنا، أو لعدم موافقتهم عليه، أو لتأويلهم الخاطئ له، بل اللذة التي نقصدها هي التي تتميّز بانعدام الألم في الجسم والاضطراب في النفس.
– إبيقور| رسالة إلى مِينيسي
عندما يكون المرء مضطرًا لأن يجعل من العقل طاغية، كما فعل ذلك سقراط، فإنّ الخطر لن يكون هينًا أنْ يحول شيء آخر أيضًا إلى طاغية. لقد تم اعتبار المنحى العقليّ آنذاك منقذًا، ولم يكن لا لسقراط ولا لـ«مرضاه» خيار في أنْ يكونوا عقليين؛ كان ذلك أمرًا محتمًا، وكان ذلك وسيلة علاجهم الأخيرة. قد كان المنحى الأخلاقيّ لدى فلاسفة اليونان منذ أفلاطون محددًا بمرضهم، وكذلك الاعتبار الذي كانوا يقيمونه للجدل. إنّها لمغالطة للذات من قبل الفلاسفة والأخلاقيين ذلك الاعتقاد بأنّه بإمكانهم الخروج من وضع الانحطاط بإعلان الحرب على الانحطاط، هذا أمر يتجاوز طاقتهم: ما اختاروه كعلاج، وكوسيلة إنقاذ ليس سوى تعبير هو أيضًا عن الانحطاط. النور الساطع والعقل بأي ثمن، والحياة الواضحة وضوح النهار، الرتيبة، الواعية، دون غرائز وفي تعارض مع الغرائز= لم تكن في حد ذاتها سوى حالة مرضيّة، مرضًا آخر؛ وليست بالمرة عودة إلى «الفضيلة» وإلى «العافية»، وإلى السعادة. ضرورة مكافحة الغرائز، تلك هي القاعدة التي يتأسس عليها الانحطاط، طالما ظلت الحياة في حركة صعود فإنّ السعادة تساوي الغريزة.
– فريدريك نيتشه| غسق الأوثان
لا يمكننا الانحياز إلى الحياة الحقيقيّة للعالم إلّا حين نمتلك إرادة أكثر ممّا نمتلك الذكاء، أو أنْ نمتلك نبضًا أكثر ممّا نمتلك منطقًا. إلّا أنّ ثمّة كبرياء، أكثف من ذاك الذي قتلني، والذي سيقتلني، لا يمكنه احتمال أنْ يتم عرض أمام العار المفترض في العصور المقبلة، هذا الجسد المشوه وغير المحدد لعدم الكمال الذي لا يمكن تجنبه: عدم الكمال العائد للرُّوح التي يسكن فيها والتي يحددها. يتطلب كبرياء الذكاء أنْ يعترف بأنّه محدود، كما أنّ الكون موجود خارجه. الاعتراف-أأعجبنا ذلك أم لم يعجبنا-بأنّ القوانين الطبيعيّة لا تنثني لرغباتنا، وأنّ العالم موجود بشكل مستقل عن رغبتنا، بأنّ فتنتنا لا تثبت شيئًا فيما يخص البشر الذين يمرون تحت شبابيكنا: ها هو الاستعمال الحقيقيّ للمنطق، ولعزة النفس التقليديّة للرُّوح. إنّنا جميعًا جنود في كتيبة هذه الحياة الغريزيّة؛ يلزمنا أنْ نعيش وفق قانون المنطق، أو حتّى من دون أي منطق. لا يملك الرجل، من جهته، حيزًا مكتملًا، غير قابل للتصرف، سوى الشرف أو الصمت. شعرتُ بذلك، بشكل أقوى من ذي قبل، في نيران المدفأة التي انتهت فيها مخطوطاتي دومًا.
– فرناندو بيسوا| تربية الرواقي
يغلب على حديث شميت في كتابه «ناموس الأرض» وكتاباته السابقة الحديث عن إنتاج القوانين التي شرعنتها هذه الأجهزة القانونيّة بغير أنْ يصدر منها تحليل شامل للعمليات الاقتصاديّة من إنتاج لمواد الطبيعة والاستيلاء عليها. ومع ذلك، فإنّ شميت كان من أوائل من أدركوا أنّ الليبراليّة كانت في حقيقتها شكلًا أحال الدولة والسياسة إلى اقتصاد. ربّما تكون النيوليبراليّة هي "ناموس الأرض" الجديد بالمعنى الشميتيّ، لكنّها خلافًا للفهم الشائع أمكر من مجرد الهيمنة والنهب والاستغلال وأخفى وأدق من ذلك، إنّها شكل جديد نافذ على صياغة للإنسان باعتباره رأس مال يمكن استغلاله بلا حدود، من خلال آلة ضخمة من العلامات تعمل مع التناقض العابر مع مثلنا العليا ورغباتنا وتصوراتنا. يذكرنا شميت الذي ابتكر مفهوم «اللاهوت السياسيّ» أنّه من السهل على الهلوسة العالميّة عن سلام نيوليبراليّ عالميّ مؤسس على مبادئ التوزيع الزائفة للهوية الشخصيّة والرغبة الفرديّة أنْ تغرينا. كما يذكرنا أنّه على اللاهوت السياسيّ أنْ يتعامل دائمًا مع مسألة الناموس انطلاقًا من ضرب من التفرد السياديّ، وهو ما يسري على "ناموس الأرض" بالضرورة.
– كارل راشكه| ما هو ناموس الأرض الجديد؟
جميع القواعد اللاحقة، المكتوبة منها وغير المكتوبة، تستمد قوتها من المقياس الداخليّ لفعل أصليّ تأسيسيّ لترتيب المكان. وهذا الفعل الأصليّ هو الناموس (Nomos)، أما جميع التطورات اللاحقة، فهي إما نتائج لهذا الفعل وامتدادات له، أو عمليات إعادة توزيع، إما استمرارًا على الأساس نفسه، أو تفككًا وانحرافًا عن فعل التأسيس للترتيب المكانيّ الذي أنشأه الاستيلاء على الأرض، أو تأسيس المدن، أو الاستعمار. ومن المؤكد أنّ مثل هذه العمليات التأسيسيّة ليست أحداثًا يوميّة، لكنّها في الوقت نفسه ليست مجرد مسائل تنتمي إلى عصور غابرة، ولا تقتصر أهميتها اليوم على الاهتمام الأثريّ. فما دام تاريخ العالم لا يزال مفتوحًا ومتغيرًا، وما دامت الظروف لم تُثبت وتتحجر؛ أي ما دام البشر والشعوب لا يملكون ماضيًا فحسب، وإنّما يملكون مستقبلًا أيضًا، فإنّ ناموسًا جديدًا سينشأ في المظاهر المتجددة باستمرار للأحداث التاريخيّة العالميّة. فالناموس بالنسبة إلينا هو مسألة العمليّة الأساسيّة لتوزيع المكان، وهي العملية الضروريّة لكلّ عصر تاريخيّ؛ أي إنّها مسألة التلاقي، المحدد للبُنية، بين النظام والتوجيه في تعايش الشعوب على هذا الكوكب.
– كارل شميت| ناموس الأرض