
تَبْيِينُ الحَقَائِق
خامسُها:
تتجسَّد في حُسنِ المعاملة والتَّحلِّي ـ معهم ومع غيرِهم ـ بالأخلاق الفاضلةِ وبالحكمةِ والحِلْمِ والأَنَاةِ والسَّكينةِ والصَّبر، بعيدًا عن الغِلظةِ والمُجافاة والصَّخبِ وإيثارِ المصلحةِ الشَّخصيَّةِ والتَّدليسِ والغرورِ والتَّغرير والرِّياءِ والسُّمعةِ وحُبِّ الظُّهورِ والتَّمشيُخِ على النَّاسِ، دون أَنْ يكون له رصيدٌ في قلبه مِنْ حُسْنِ النِّيَّة وإحسانِ الظَّنِّ، وسلامةِ القصدِ والقلبِ، ومَحبَّتِه لأخيه ما يُحِبُّ لنَفْسِه ـ كما تقدَّم ـ وينبغي أَنْ لا يدخل قلبَه قَصْدُ حُطامِ الدُّنيا أو عَرَضٍ مِنْ أعراضها، وغيرها مِنْ مساوئ الأخلاق الَّتي أَضْحَتْ سِمَةً بارزةً لعيِّناتٍ ساقطةٍ مِنْ طلبة العلمِ غيرِ مؤهَّلةِ المستوى العلميِّ ومُتدنِّيَةِ التَّعامُلِ الخُلُقيِّ، لا ينفكُّ عنهم العديدُ مِنَ الخصالِ الذَّميمةِ السَّابقةِ البيان؛ فحُسْنُ الخُلُقِ مِنْ إرث الأنبياء عليهم الصَّلاةُ والسَّلام؛ قال اللهُ تعالى
عن رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ ٤﴾ [القَلَم]، وقد «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا»
[مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الأدب» (١٠/ ٥٨٢) باب الكُنيةِ للصَّبيِّ وقبل أَنْ يُولَدَ للرَّجل (٦٢٠٣)، ومسلمٌ في «الآداب» (١٤/ ١٢٨) باب جوازِ تكنِيَةِ مَنْ لم يُولَدْ له وتكنِيَةِ الصَّغير (٢١٥٠)، وفي «الفضائل» (١٥/ ٧٠) باب حُسنِ خُلُقِه صلَّى الله عليه وسلَّم (٢٣١٠)، مِنْ حديثِ أنس بنِ مالكٍ رضي الله عنه]؛ ولذلك أوَّلَ ما قَدِمَ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم على المدينة ـ والأوسُ والخزرجُ بينهم العداوةُ ـ كان أوَّلُ ما
قال: «أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الأَرْحَامَ، وَصَلُّوا [بِاللَّيْلِ] وَالنَّاسُ نِيَامٌ؛ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلَامٍ»
[أخرجه أحمد (٥/ ٤٥١)، وابنُ ماجه في «الأطعمة» (٢/ ١٠٨٣) باب إطعامِ الطَّعام (٣٢٥١)، مِنْ حديثِ عبدِ الله بنِ سَلَامٍ القَيْنُقاعيِّ رضي الله عنه، قال مُحقِّقُو طبعةِ الرِّسالة مِنَ «المُسنَد» (٣٩/ ٢٠١): «إسنادُه صحيحٌ، رجالُه ثقاتٌ رجالُ الشَّيخين»، وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيحِ ابنِ ماجه» (٣/ ١١٥)].]
[الكلمة الشَّهريَّة رقم: ١٧١- فلسفة جمعيَّة العلماء - الحلقة العاشرة ]
https://t.me/tib_hakaik
قال الشيخ العلّامة أبو عبد المعز محمد علي فركوس -حفظه الله-:
"حقًّا إنَّ العِلمَ رَحِمٌ بين أهلِه، وَصِلَةُ خيرٍ بين أصحابِه وحَمَلَتِه، ولا بُدَّ لكُلِّ طالبِ علمٍ أَنْ تكونَ له رَحِمٌ علميَّةٌ تَصِلُه بالعلماء والدُّعاةِ إلى الله، يَنهَلُ بمُوجَبِها مِنْ عِلمهم ويرفعُ إشكالاتِه إليهم، ويصدر عنهم بالفوائد والنَّوادر مِنَ العلوم والمَعارِف، ويعرف لهم قَدْرَهم بحيث لا يتقدَّم بين أيديهم في المسائلِ، وبخاصَّةٍ: المُستجدَّةِ منها والنَّوازل، وبهذا يعرف طالبُ العلمِ قَدْرَ نفسِه فلا يتكلَّم إلَّا على قدرِه ولا يخوض فيما لا يُحسِنُه ولا يَعنِيه بل يُعنِّيه عَناءً ويُنصِبُه، وكُلُّ مَنْ قطَعَ هذه الصِّلةَ ـ مِنْ طُلَّابِ العلمِ ـ وتَفرَّدَ بنفسِه واستغنى عن غيرهِ وتصدَّى للتَّدريسِ فإنَّه يَفوتُه علمٌ جمٌّ، بل لا يكادُ يَسلَمُ مِنْ داءِ العُجبِ والاغترارِ بالنَّفس، والتَّكبُّرِ عند الطَّلبِ ونحوِ ذلك مِنْ آفات العلم، وقد نُقِلَ عن
الشَّافعيِّ ـ رحمه الله ـ قوله: «مَن طَلَبَ الرِّياسةَ فرَّتْ منه، وإذا تَصَدَّرَ الحَدَثُ فاتَهُ عِلمٌ كثيرٌ»
[«صفة الصَّفوة» لابن الجوزي (١/ ٤٣٥)]
، وكما قِيلَ: مَنْ تَصدَّر قبل أوانِه فقد تَصدَّى لهوانِه، إلَّا مَنْ عَصَمَه اللهُ برَحمتِه فعرَفَ قَدْرَ نفسِه فلم يرتفع بأنفه على إخوانه ولم يَنقطعْ عنِ الطَّلبِ والتَّحصيل، وإلَّا فهو ممَّنْ يصدق عليهم قولُهم: تَزبَّبَ قبل أَنْ يَتحصْرَمَ، وقد تُؤثِّرُ أمراضُ القلوبِ المُتقدِّمةُ سَلْبًا على سلوكه النَّفسيِّ والتَّربويِّ، فيُدخِلُه في باب التَّشنيع بالأكابر والتَّنقُّصِ منهم والنَّيلِ مِنْ مَناصِبِهم، فكيف يكون حالُه مع أقرانِه ومَنْ دونَه الَّذين كان الواجبُ عليه الرِّفقَ بهم؟!
فهذا
محمَّد البشيرُ الإبراهيميُّ ـ رحمه الله ـ يقول عن نفسه ـ لمَّا خلَفَ عمَّه بعد موته في تدريسِ زُمَلائه وهو بعدُ صبيٌّ ـ ما نصُّه: «مات عمِّي سَنَةَ: (١٩٠٣) ولي مِنَ العُمر أربعَ عَشْرَةَ سَنَةً، ولقد ختمتُ عليه دراسةَ بعضِ الكُتُبِ وهو على فراشِ المرض الَّذي مات فيه، وأجازني الإجازةَ المعروفةَ عامَّةً، وأمَرَني بأَنْ أَخلُفَه في التَّدريسِ لزُمَلائي الطَّلبةِ الَّذين كان حريصًا على نفعِهم، ففعلتُ ووفَّقَ اللهُ، وأَمَدَّتْني تلك الحافظةُ العجيبةُ بمُستودَعاتِها، فتَصدَّرْتُ دون سِنِّ التَّصدُّر، وأرادت لي الأقدارُ [انظر الفتوى رقم: (١٤٠٢) بعنوان: «في حكم نسبة الإرادة للقَدَر»] أَنْ أكون شيخًا في سِنِّ الصِّبَا، وما أشرفتُ على الشَّباب حتَّى أُصِبْتُ بِشرِّ آفةٍ يُصابُ بها مِثلي وهي آفةُ الغرورِ والإعجابِ بالنَّفس، فكنتُ لا أرى نفسي تَقصُرُ عن غايةِ حُفَّاظِ اللُّغةِ وغريبِها وحُفَّاظِ الأنساب والشِّعر، وكِدْتُ أَهلِكُ بهذه الآفةِ لولا طبعٌ أدبيٌّ مَرِحٌ كريمٌ، ورِحلةٌ إلى الشَّرقِ كان فيها شفائي مِنْ تلك الآفة»
[«الآثار» للإبراهيمي (٥/ ١٦٥)]
، حيث الْتَقى في مِصرَ والمدينةِ والشَّامِ بعُلَماءِ الحديثِ والتَّفسيرِ واللُّغةِ وغيرِها مِنَ العلومِ، وأَدرَكَ حِينَها أنَّ في الوجود مَنْ هو أَعلمُ منه وأكثرُ تحصيلًا، وأنَّ ما فاته مِنَ العلمِ أكثرُ ممَّا حازه، فأَنزلَ نَفْسَه منزلتَها وشُفِيَ مِنَ الدَّاء الَّذي حَلَّ به؛
قال تعالى: ﴿وَفَوۡقَ كُلِّ ذِي عِلۡمٍ عَلِيمٞ ٧٦﴾ [يوسف]، وقال تعالى: ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِ إِلَّا قَلِيلٗا ٨٥﴾ [الإسراء].
لذلك ينبغي لطالبِ العِلمِ أَنْ يُقيمَ مع إخوانه المودَّةَ والرحمةَ ويحقِّقَ التَّرابطَ الأخويَّ المَتينَ المبنيَّ على طاعة اللهِ وحُبِّه وعلى حُسنِ الخُلُق، ويتجسَّدُ ذلك ـ باختصارٍ ـ بعِدَّةِ أمورٍ:
أوَّلُهَا:
تتجسَّد في المَحبَّة بين المسلمين وإشاعتِها بينهم، وخاصَّةً بين أهلِ العلمِ وطَلَبتِه، إذ يجب على كُلِّ فردٍ منهم أَنْ يُحِبَّ لإخوانه مِثلَ ما يُحِبُّه لنفسه مِنَ الخير حتَّى يكون مؤمنًا كاملًا وبحقٍّ؛
لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «[وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ]، لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ [أَوْ قَالَ: لِجَارِهِ] مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»
[مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الإيمان» (١/ ٥٧) باب: مِنَ الإيمان أَنْ يُحِبَّ لأخيه ما يُحِبُّ لنفسه (١٣)، ومسلمٌ في «الإيمان» (٢/ ١٦) باب الدَّليل على أنَّ مِنْ خصالِ الإيمان أَنْ يُحِبَّ لأخيه المسلمِ ما يُحِبُّ لنفسه مِنَ الخير (٤٥)، مِنْ حديثِ أنسِ بنِ مالكٍ رضي الله عنه]،
ولقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّهُ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًا [أَوْ مُسْلِمًا]»
[أخرجه ابنُ ماجه في «الزُّهد» (٢/ ١٤١٠) باب الورعِ والتَّقوى (٤٢١٧) مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه، وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح ابنِ ماجه» (٣/ ٣٧٤) و«السِّلسلة الصَّحيحة» (٢/ ٦٠١) رقم: (٩٣٠)].
ثانيها:
تتجسَّد في حقوق الأُخوَّةِ الإيمانيَّةِ مِنْ: عِفَّةِ اللِّسان، وعدمِ الخوض في تصنيفِ النَّاس وأَعراضِهم في غيرِ حقٍّ، فلا ينبغي لطالب العلمِ أَنْ ينقلَ مِنَ الأخبارِ عن إخوانهِ ما لا خيرَ شرعًا في نقله ولا سِيَّما إِنْ كان كذبًا، وبخاصَّةٍ نقلها إلى العلماء بغيرِ حقٍّ وإنَّما بقصدِ الإسقاطِ والطَّعن والتَّحريض على طُلَّابِ العلم، وإفسادِ قلوب العلماء على طُلَّابِهم، فذلك جريمةٌ وغِيبةٌ ونميمةٌ إِنْ لم يكن كذبًا وإفكًا وبُهتانًا وزُورًا، وفي هذا المعنى قال
ابنُ حزمٍ ـ رحمه الله ـ في [«طوق الحمامةِ» (١٧٣)]: «وما في جميعِ النَّاسِ شرٌّ منَ الوُشَاةِ، وهم النَّمَّامون، وإنَّ النَّميمةَ لَطبعٌ يَدلُّ على نَتنِ الأصلِ، ورداءةِ الفرعِ، وفسادِ الطَّبعِ، وخُبثِ النَّشأةِ، ولا بُدَّ لصاحبِه مِنَ الكذبِ؛ والنَّميمةُ فرعٌ مِنْ فروعِ الكَذبِ ونوعٌ مِنْ أنواعِه، وكُلُّ نمَّامٍ كذَّابٌ».
ومِنْ أهمِّ حقوقِ الأُخُوَّةِ الدَّالَّةِ على صِدقِها وكونِها لله لا لحظوظ النَّفس: التَّناصحُ والتَّواصي بالحقِّ والصَّبرِ وبالمَرْحَمة، كما لا يَستمِعُ إلى مُنْكَرٍ مِنَ القول وزورٍ، ولا يسبُّ ولا يشتم ولا يرائي ولا يَظْلِم ولا يظنُّ بأحَدٍ سُوءًا دون بيِّنةٍ، ولا يُضْمِرُ له شرًّا، ولا ينظر إليه بعينِ الاحتقار، ولا يشتغل بسَفاسِفِ القضايا ولا حقائِرِ الأمور، وغير ذلك ممَّا وَرَدَ النَّهيُ عنه وحذَّر الشَّارعُ منه؛
قال ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ في [«الفوائد» (٨١)]: «أخسرُ النَّاسِ صفقةً مَنِ اشْتَغَلَ عن الله بنفسِهِ، بل أخسرُ منه مَنِ اشْتَغَلَ عن نفسِهِ بالنَّاس».
وعليه أَنْ يحفظَ عوراتِ إخوانِه ويتركَ المُعاداةَ والغِلَّ على المسلم، فضلًا عن أهلِ العلم وطُلَّابه، وكذا الحسدَ والشَّحناءَ والبغضَ،
قال ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ في [«الفوائد» (٨٠)]: «أصولُ الخطايا كُلِّها ثلاثةٌ: الكِبْرُ: وهو الَّذي أصارَ إبليسَ إلى ما أصارهُ، والحِرْصُ: وهو الَّذي أَخرجَ آدَمَ مِنَ الجنَّة، والحسدُ: وهو الَّذي جَرَّأ أحَدَ ابنَيْ آدَمَ على أخيهِ؛ فمَنْ وُقِيَ شَرَّ هذه الثَّلاثةِ فقَدْ وُقِيَ الشَّرَّ؛ فالكفرُ مِنَ الكِبر، والمَعاصي مِنَ الحِرْص، والبَغْيُ والظُّلْمُ مِنَ الحسد».
ثالثُها:
تتجسَّد في اللِّين والمُلاطفةِ والرِّفقِ في المعاملةِ مع التَّواضع، وسلامة الصَّدر،
لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ»
[أخرجه مسلمٌ في «البِرِّ والصِّلَة والآداب» (١٦/ ١٤٦) باب فضل الرِّفق (٢٥٩٤)، مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها]؛
قال المُناويُّ ـ رحمه الله ـ في [«فيض القدير» (٥/ ٤٦١)] ما نصُّه: «لأنَّ به [أي: الرِّفق] تسهلُ الأمورُ، وبه يتَّصِلُ بعضُها ببعضٍ، وبه يجتمعُ ما تَشتَّت، ويأتلِفُ ما تَنافرَ وتَبدَّد، ويرجعُ إلى المأوى ما شَذَّ، وهو مؤلِّفٌ للجماعاتِ، جامعٌ للطَّاعاتِ، ومنه أُخِذَ أنَّه ينبغي للعالمِ ـ إذا رأى مَنْ يُخِلُّ بواجبٍ أو يفعلُ محرَّمًا ـ أَنْ يترفَّقَ في إرشادِه ويتلطَّفَ به؛ رُوِيَ عن أبي أُمامةَ أنَّ شابًّا أتى المصطفى صلَّى الله عليه وسلَّم فقال له: «ائذَنْ لي في الزِّنا»، فصاح النَّاسُ به، فقال: «ادْنُ مِنِّي» فدَنَا فقال: «أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟» قال: «لا»، قال: «فَالنَّاسُ لَا يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ، أَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟» قال: «لا»، قال: «فَالنَّاسُ لَا يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ»، حتَّى ذكَرَ الزَّوجةَ والعَمَّةَ والخالةَ، ثمَّ دَعَا له فلم يكن بعدُ شيءٌ أبغضَ إليه مِنَ الزِّنا»
[والحديث المذكور أخرجه أحمدُ (٥/ ٢٥٦ ـ ٢٥٧)، إسنادُه صحيحٌ، ورجالُه ثقاتٌ رجالُ الصَّحيح؛ انظر طبعةَ الرِّسالة مِنَ «المُسنَد» (٣٦/ ٥٤٥)].
رابعها:
وتتجسَّد ـ أيضًا ـ في عنايةِ طالب العلم بمجالسة الأحياء مِنَ العلماء النَّاصحين، والاستفادةِ منهم، ومِنْ أخبارهم وسِيَرِهم وأعمالِهِم العلميَّةِ أحياءً وأمواتًا، ويدعو اللهَ لهم بالمغفرةِ وتعظيمِ الأجرِ، ويدعو لقلبه بسلامةِ الصَّدر مِنْ جِهَتِهم وسائرِ المؤمنين إلَّا لمُوجِبٍ؛
﴿رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا وَلِإِخۡوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَا تَجۡعَلۡ فِي قُلُوبِنَا غِلّٗا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [الحشر: ١٠]
، ويدعو لهم بتمديدِ العُمرِ على العمل الصَّالح وتوسيعِ دائرةِ الانتفاع بهم، ويدعو اللهَ لهم بالثَّباتِ على الدِّين، وبالحفظ مِنْ فتنة القول والعمل، ومِنَ الحُسَّادِ والوُشَاةِ وأهلِ الشّرِّ والفساد، كما يدعو اللهَ لهم بالصَّبرِ على البلاء الَّذي لا يَسلَمُ منه داعٍ إلى الحقِّ؛ عن إبراهيمَ بنِ سَمَاعَةَ الضَّبِّيِّ مولاهم قالَ: سَمِعتُ
أبا حنيفةَ يقولُ: «ما صلَّيْتُ صلاةً منذُ ماتَ حمَّاد إلَّا استغفرتُ له مع والِدَيَّ، وإنِّي لَأستغفرُ لمَنْ تعلَّمْتُ منه عِلمًا أو علَّمْتُه عِلمًا»
[«تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي (١٣/ ٣٣٤)].
بل كانوا يتركون كثيرًا مِنَ الحقِّ خوفًا مِنْ وُلاةِ الظُّلم وأمراءِ الجَوْرِ، فمِنَ المُحالِ أَنْ يُوفَّق هؤلاءِ للصَّوابِ ويُحرَمَهُ أصحابُ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم» [إعلام الموقِّعين لابن القيِّم(٤/ ١١٠)]
https://t.me/tib_hakaik
رأفة بالشيخ محمد بازمول نذكره بكلام الإمام ابن القيّم في منهج أصحاب رسول الله ﷺ وإنكارهم المنكر ولو على الولاة إذا ما خالفوا الحقّ، وبكلام الشيخ الفوزان بأن" الغاش الذي يقر المنكر ويدافع عنه فإنه غاش لولي الأمر وللمسلمين"
قال بازمول في منشور له: "تسمية الحاكم والجهر بنسبة العيوب إليه..."
إن كان بازمول يقصد الحزبيين والحركيين فكلامه صحيح وإن كان يقصد عالما من علماء السنة فحبذا لو يذكر لنا من هذا العالم الذي يجيز الجهر بنسبة العيوب إلى الحاكم؟ وهذا لا شك أنه افتراء على أهل العلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "
من قال في مؤمن ما ليس فيه، أسكنه الله ردغة الخبال، حتى يخرج مما قال
" [صحيح أبي داود] وقال أيضًا صلى الله عليه وسلم: "من حمى مؤمنًا من منافق يعيبه بعث الله تبارك وتعالى ملكًا يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم،
ومن رمى مؤمنًا بشيء يريد به شينه حبسه الله تعالى على جسر جهنم، حتى يخرج مما قال
" [صحيح أبي داود]
فمن التلبيس إنكار الضوابط في فتوى الإنكار العلني، مع أن العلماء وضعوا شروطا وضوابط للإنكار العلني، ولا بأس بذكر العلماء الذين ذكرهم في منشوره الذين نسب إليهم القول بعدم الإنكار العلني مطلقا:
قال الشيخ ابن باز: «وإذا كان يرى مِنَ المصلحة أنه إذا جَهَر قال: فلانٌ فَعَل كذا، ولم تنفع فيه النصيحة السرِّيَّة، ورأى مِنَ المصلحة أنه ينفع فيه هذا الشيء فيفعل الأصلحَ»
وقال الشيخ العثيمين: «فيكون الإنكار مُعلَنًا متى؟ عند المصلحة، والمصلحة هي أَنْ يزول الشرُّ ويحلَّ الخيرُ».
وقال الشيخ الفوزان -حفظه الله- بعدما اتهمه محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ بتثوير المجتمع، والتحريض على العصيان، وشق عصا الطاعة، بحجة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تارة، وتارة تحت ذريعة النصيحة (لولي الأمر):
«.. إن كنت تغار على ولي الأمر فالعلماء الذين انتقدتهم أشد غيرة منك عليه وأشد نصحًا له من غيرهم، ولا يعني إذا كتبوا ينكرون بعض الأمور إلا الغيرة على ولي الأمر وعلى المسلمين.
بخلاف الغاش الذي يقر المنكر ويدافع عنه فإنه غاش لولي الأمر وللمسلمين.
...وإنما هي نصيحة وإرشاد ورد للشبهات، وهذا واجب العالم أن يبين مايعلمه ولا يكتمه...»
فرد عليه محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ قائلا : «أكرر يا شيخ الفوزان السؤال: ...لماذا لجأت إلى النصيحة العلنية، وتخليت -هداك الله- عن السرية، في مناصحتك لولي أمرك، الأمر لا يحتمل إلا احتمالين: إما أنك تراجعت عن فتوى سرية المناصحة التي قلت بها في السابق، أو أنك رجل تناقض اليوم ما تفتي به في الأمس...»
فرد عليه الشيخ الفوزان -حفظه الله- ردا ثانيا فقال: «أما عن قضية مناصحة ولي الأمر فنحن - ولله الحمد - لم نخالف منهجها وندين لله بطاعة ولي الأمر بالمعروف وبوجوب مناصحته ومناصحة عامة المسلمين. وإنما نرد على مقالات وشبهات وأخطاء تنشر وتعلن في الصحف، فيكون الرد عليها بنفس الأسلوب الذي تنشر به، وهي من البيان العام للناس فلا حاجة بالكاتب إلى استعداء ولي الأمر علينا في هذا الشأن الذي هو من صالح الجميع وولي الأمر - حفظه الله - يشجع عليه.»
فهؤلاء الأئمة يقررون ضوابط الإنكار العلني كضابط تحقق المصلحة وزوال الشّر وحلول الخير، وهذه كلها مذكورة في فتوى الشيخ فركوس بل وزاد عليها ضوابط أخرى كعدم التشهير والتشنيع والهتك، ثم تجد من ينفي كل هذه الضوابط التي وضعها هؤلاء الراسخون ؟!
ومن التلبيس أنه أورد كلام أهل العلم في عدم جواز الإنكار العلني وهم يقصدون بذلك إنكار الحزبيين والحركيين المصحوب بالتهييج والتحريض وذكر العيوب، وعمم ذلك على إنكارات أهل السنة وهذه تسوية باطلة وتلبيس فاضح، فأهل العلم الذين نقل عنهم عدم الجواز هم أنفسم أنكروا علنا على ولاة الأمر ومع ذكر أسمائهم كما فعل الشيخ ابن باز -رحمه الله-.
وفي هذ الصدد قال الشيخ مقبل-رحمه الله-: «وأمَّا الإنكار عليهم فلا بأسَ بذلك، مع إعلام المسلمين أنك لستَ داعِيَ ثورةٍ، ولا داعِيَ انقلاباتٍ، ولكِنْ تدعو إلى تغيير هذا المُنكَر».
أما ما ذكره بازمول عن الشيخ العباد -حفظه الله- وما وقع منه من إنكار علني وأنه وقع على بعض المسؤولين لأنهم يمثلون إلا أنفسهم!؟ فهذا تلبيس أيضا فالشيخ العباد أنكر علنا على الملك عبد الله وعلى الملك سلمان، وهذا دليل كاف لرد ما ذكر.
وختاما ننصح الشيخ محمد بازمول كما نصح أتباعه بالثبات على الحقّ وأن لا يهدم أصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي من مقاصده حفظ الشريعة التي لم تستثن أحدا من هذا الأصل، وأن لا يكون سببا في انحرافهم عن فهم وسبيل الصحابة، فقد كانوا ينكرون على الأمراء إذا ما خالفوا الشرع لئلا يضيع أصل الحقّ كما قال الإمام ابن القيّم -رحمه الله- معلقا على إنكاراتهم :"وهذا كثيرٌ جِدًّا مِنْ إنكارِهم على الأمراءِ والوُلَاةِ إذا خرجوا عن العَدلِ: لم يخافوا سَوْطَهُم ولا عقوبتَهم، ومَنْ بعدَهم لم تكن لهم هذه المَنزلةُ،
العلامة الشيخ عبد الحميد ابن باديس رحمه الله
"كنا نُجاهِد الاستعمار الفرنسي حتى اصطدمنا بالطرق الصوفية، فإذا هي أقوى منه وأشدُّ علينا منه."
📘
(مجموع الآثار 3/155)
من أقوال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
:
قَالَ الإمام عَبْدُ الْحَمِيدِ بنُ بَادِيس ـ رَحِمَهُ اللهُ :
"وَ إِنِّيٰ أَعْلَنْتُ أَنِّيٰ سَلَفِيٌّ، وَ أَعْلَنْتُ أَنِّيٰ تَبَرَّأْتُ مِنْ كُلِّ مَا يُخَالِفُ الْكِتَابَ وَ السُّنَّةَ وَ رَجِعْتُ عَنْ كُلِّ قَوْلَةٍ قُلْتُهَا لَمْ يَقُلْهَا السَّلَفُ الصَّالِحُ".
📖
[الشِّهَاب(951/2)].
و قال كذلك -رحمه الله-:
" القرآن إمامنا والسنة سبيلنا والسلف الصالح قدوتنا وخدمة الإسلام والمسلمين وإيصال الخير لجميع سكان الجزائر غايتنا..."
📜
[آثار ابن باديس(٣/٦١)]
و قد قال رحمه الله أيضا :
" وليعلم النَاقمون على السَّلفيَّة النَاظرُون إليها نظرَ السَّاخِطين ، ليعلمُوا أنَّ السَّلفيَّة هي المرجعيَّة الدِّينيَّة للجزائريِّين ، وهي الدَّعوةُ الأصليةُ في هذه الدِّيار ، لا كما يُحَاوِلُهُ مَنْ يَطْمِسُ الحَقَائقَ ويَعْمَى ويَصِمُّ عن الدَّلائل وَيولِّيها ظَهْرَهُ ، فيزعُمُ بأنَّها وافِدٌ دخيلٌ وجسمٌ غريبٌ في الأمَّة الجزائريَّة وخطرٌ دَاهَمَ ديارنَا وغَزْوٌ حَلَّ مَحلَّ أَصالتِنَا ، لا والله ، إذا كان هؤلاء يُرَدِّدُون في كلِّ مَناسبةٍ وبلا مُناسبةٍ أنَّهم لا يُريدون إلاَّ مذهبَ الإمام مالكٍ والطَّريقة المالكيَّة ، فإننا نقولُ لهم هاتُوا لنا مذهبَ الإمام مالكٍ ، فلا نجِدَهُ إلاَّ إمَامًا في السَّلفيَّة الحَقَّة ومَتْبُوعًا مِن كبار المتبُوعين في هذه الطَّريقةِ الشَريفةِ ، ولْنَعْرِضْ بَعْدُ مَن كان صادق الاتباعِ صحيحَ النِّسبةِ إلى هذا الإمام ، ممّن يَتمَوَّهُ بالنِّسبة إليه ، ومَنْ يُغطِّي انحرافَهُ عنِ السُّنَّةِ بالانتِماء إلى إمامِ السُّنَّة."
📚
«الشهاب» صفحة (٩٨)
قال الشيخ مبارك_الميلي الجزائري ـ رحمه الله ـ
مبيِّنًا أنَّ العقيدة السلفية هي الأصلُ في أهل المغرب، وإنما دخلَتْهم الأشعريةُ بسببِ المهدي ابنِ تُومَرْت:
«وكان أهلُ المغرب سلفيِّين، حتَّى رَحَلَ ابنُ تُومَرْت إلى الشرق وعَزَمَ على إحداثِ انقلابٍ بالمغرب سياسيٍّ علميٍّ دينيٍّ، فأخَذَ بطريقة الأشعريِّ ونَصَرها، وسمَّى المرابطين السلفيِّين: مجسِّمين، وتمَّ انقلابُه على يد عبد المؤمن؛ فتمَّ انتصارُ الأشاعرة بالمغرب، واحتجبَتِ السلفيةُ بسقوط دولة صنهاجة؛ فلم يَنْصُرْها بعدهم إلَّا أفرادٌ قليلون مِنْ أهل العلم في أزمنةٍ مختلفةٍ»
📚
(١٥)« رسالة الشرك و مظاهره»
قال العلامة عبد الحميد_بن_باديس رحمه الله :
" يسمُّوننا بالوهّابيِّين، ويُسمُّون مذهبنا بالوهّابيّ باعتبار أنّه مذهبٌ خاصّ، وهذا خطأٌ فاحشٌ، نشأ عن الدّعايات الكاذبة الّتي يبُثُّها أهل الأغراض، نحن لسْنَا أصحابَ مذهبٍ جديدٍ وعقيدةٍ جديدة، ولم يأْتِ محمّد بنُ عبد الوهّاب بالجديد، فعقيدتُنا هي عقيدةُ السَّلَف الصّالح، الّتي جاءت في كتاب الله وسُنّة رسوله، وما كان عليه السّلف الصّالح ، هذه هي العقيدةُ الّتي قام شيخ الإسلام محمّد بنُ عبد الوهّاب يدعُو إليها، وهذه هي عقيدتُنا، وهي مبنيّةٌ على توحيد اللهِ عزّ وجلّ، خالصةٌ من كلِّ شائبة، منزّهةٌ عن كلِّ بدعةٍ، فعقيدةُ التّوحيد هذه هي الّتي ندْعُو إليها، وهي الّتي تُنْجِينا ممّا نحنُ فيه مِن إِحَنٍ وأَوْصَابٍ "
📙
["الشّهاب" من المجلّد 5 الجزء 6 ص: 40 - 42].
ويقول ابن باديس أيضا:
"... قام محمد بن عبد الوهاب بدعوة دينية، فتبعه عليها قوم فلقبوا بـ”الوهابيين”. لم يدعُ إلى مذهب مستقلّ في الفقه، فإن أتباع النجديين كانوا قبله ولا زالوا إلى الآن بعده حنبليين، يدرسون الفقه في كتب الحنابلة، ولم يدعُ إلى مذهب مستقل في العقائد، فإن أتباعه كانوا قبله ولا زالوا إلى الآن سُنيين سلفيين، أهل إثبات وتنزيه، يؤمنون بالقدر ويثبتون الكسب والاختيار، ويصدِّقون بالرؤية، ويثبِّتون الشفاعة، ويرضون عن جميع السلف، ولا يكفِّرون بالكبيرة، ويثبِّتون الكرامة”.
وقال أيضا:
" الأتراك هم الذين أطلقوا على حنابلة نجد مسمّى "الوهابية"، وهم الذين نشروا عنهم التهم والأكاذيب في العالم الإسلامي، ولستأجروا الفقهاء في جميع الأقطار ليؤلفوا ويكتبوا ويكذبوا على حنابلة نجد."
📚
/ مجلة الصراط : العدد 5.
قال العلامة الجزائري عبد الحميد بن_باديس رحمه الله :
" أفتعد الدعوة إلى الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة وطرح البدع والضلالات واجتناب المرديات والمهلكات نشرا للوهابية،فأئمة الإسلام كلهم وهابيون ما ضرنا إذا دعونا إلى ما دعا إليه جميع أئمة الإسلام "
📚
[ آثار ابن باديس ( 283 - 283 | ج 5 )]
رسالة إلى العقلاء فقط
هل يوجد خارجيّ سروريّ في عالم النّاس اليوم يثني على الشيخ ربيع بن هادي والشيخ الألباني والوادعي والجامي رحمهم الله جميعا!!
أيها الطاعنون راجعوا مقال الشيخ الأخير في رمي وصف أهل السنة بالمدخلية ثم تأملوا في حالكم وطعونكم وراجعوا حساباتكم جيدا وقفوا معها وقفة صادقة بعد أن لعب بعقولكم الملبسون المفلسون وقد تبيّن حالهم لكل ذي عينين قال ابن المبارك رحمه الله: " ..ومن استخف بالعلماء ذهبت آخرته".
فبكتابة الشيخ مقاله الأخير ودفاعه عن علماء السنة الكبار تبيّن لكل منصف أنه يسير على درب هؤلاء الأعلام ونهجهم وأنه بريء مما رماه به الظلمة الأفاكون بخلاف من ادعى أنه على نهجهم وقد تبرأ في مقاله من عالم السنة ربيع بن هادي بقوله " لسنا مداخلة ولا مخارجة " في رسالة مشفرة لجهات معينة أنه بريء من هذا العالم الرباني الذي اجتمع على منابذته وحربه جميع طوائف البدعة.
فلله درك شيخنا أيها المجاهد الشجاع على نصرة السنة وأهلها وأبقاك ذخرا لأهل السنة مدافعا عنهم وعن علمائهم.
[منقول]
https://t.me/tib_hakaik
في زمن اشتدت فيه غربة أهل السنة السلفيين وفي وقت ازدادت فيه وطأة أهل البدع على أهل السنة الصادقين تحذيرا وتنفيرا ورميا بالألقاب الباطلة والاتهامات الظالمة مع انشغال كثير من المنتسبين للسنة ببعضهم بعضا بحثا عن تثبيت المشيخة والمنصب الدعوي من الزوال والسقوط والاضمحلال!!
في خضم كل هذه الفتن والأحداث ينبري عالم الجزائر كعادته للدفاع عن الدعوة السلفية والمنهج السلفي وتبرئة علمائه الجهابذة من إفك الأفاكين وظلم الظالمين كالعلامة المحدث الألباني وإمام الجرح والتعديل ربيع بن هادي وهم أشد العلماء تعرضا للظلم والبغي في هذا الزمن لتتبدد غيوم السماء وينكشف القناع عن وجه كل طاعن ومفتر وظالم ويظهر كذب وإفك من رماه بالخارجية والسرورية حفظه الله وهو بريء منها براءة الذئب من دم يوسف حفظه الله ورعاه كما يعلمون ذلك في قرارة أنفسهم علم اليقين.
فيا أيها الطاعنون المتقولون إلى متى تلهثون وراء المتاجرين بدينكم ومنهجكم ومن يلعب بعقولكم للدفاع عن مشيختهم ومكانتهم الدعوية بعد أن ظهرت منهم جملة من الفضائح والطوام الأخلاقية والمنهجية.
أما آن لكم أن تتوبوا إلى ربكم وتعودوا إلى رشدكم بعد سنوات من الضياع والفرقة، قولوا لي بربكم ماذا استفدتم منهم وماذا تعلمتم طيلة هذه السنوات سوى الفتن والقلاقل وضياع الأوقات والأعمار في المهاترات والطعون وشماتة الأعداء بالدعوة والسلفية ؟!!
واعتبروا بمن مات من شيوخكم وانظروا في عاقبة أمركم فإن الأمر قريب.
الموت يأتي بغتة ...والقبر صندوق العمل
فلَمْ تَزَلْ فِي غَفْلَةٍ...حَتَّى دَنَا مِنْكَ الْأَجَلُ!!
[منقول]
https://t.me/tib_hakaik
هذا، والَّذين رمَوُا الشَّيخَ ربيعًا ـ رحمه الله ـ بالمبالغة في التَّبديع وتسرُّعِه فيه، فضلًا عن الحِدَّة الَّتي تُوصَفُ بها كتاباتُه وردودُه، وشِدَّتِه في الخصومة ونقدِ المذاهب والطَّوائف المخالفة للسُّنَّةِ، فهي ـ إِنْ لم تكن تجنِّيًا مِنْ خصومِه وافتراءً عليه ـ واردةٌ إمَّا بسببِ ظُلمِ مُخالِفِيه وعُدولِهِم عن قَبولِ الحقِّ بالدَّليل والبرهان، وإمَّا أنَّه جاء نتيجةَ ردِّ فعلٍ على شِدَّةِ خصومه ومُخالِفيه في الاتِّهام والافتراء على أهل السُّنَّة، كما تتجلَّى حِدَّةُ الطَّبع عند ابنِ تيميَّة وابنِ القيِّم وغيرِهم مِنْ فحول العلماء ـ رحمه الله ـ غيرةً على الدِّين على ما تقتضيه الحكمةُ مِنَ الشِّدَّةِ في موضعها، ولا يُعتبَرُ ذلك مخالفةً لمنهج أهلِ السُّنَّة في المجادلة والخصومة، ومِنْ ذلك ما نُقِلَ عن سيِّد التَّابعين سعيدِ بنِ المسيِّبِ ـ رحمه الله ـ مِنْ شدَّةٍ(٢) وعدمِ ركونه إلى الحجَّاجِ أو الخُلَفاءِ مِنْ بني مروانَ، وإنكارِه لبعض أفعالهم دون شقاقٍ ولا خلافٍ ولا منازعةٍ، وكانوا يعرفون له قَدْرَه وفَضْلَه، وكان بالمُقابِل مِنْ أعظمِ النَّاس نهيًا عن الفِتَنِ والمنازعة؛ ومع ذلك كان ـ مع شِدَّتِه على المخالفين ـ رحيمًا بهم يستغفر لهم.
وأمَّا الاتِّهاماتُ الأخرى أنَّه يوالي الحُكَّامَ مُطلَقًا في الحقِّ والباطل فهذا غيرُ صحيحٍ عنه ولا عن أهل السُّنَّةِ والجماعة كما هو مقرَّرٌ في مذهبهم أنَّ طاعةَ الحاكمِ مشروطةٌ بالمعروف دون المعصية والمُنكَر، وأنَّ طاعةَ الحاكمِ ليست مُطلَقةً وإنَّما تجب الطَّاعةُ المُطلَقةُ العامَّةُ لله ولرسوله صلَّى الله عليه وسلَّم؛ علمًا أنَّ: «أهل السُّنَّة السَّلفيِّين ـ والحمدُ لله ـ لا يُداهِنُون وُلَاةَ الأمر بباطلٍ، ولا يمدحونهم على معصيةٍ بنفاقٍ، ولا يُزيِّنون لهم الباطلَ، ولا يُتاجِرُون بعلمهم، وإنَّما عُرِفوا بالصِّدق في مُناصَحةِ الحُكَّام؛ لأنَّ مُناصَحتَهم مُنافِيةٌ للغِلِّ والغِشِّ، كما عُرِفُوا بالصَّدع بالحقِّ وبيانِه بأسلوب الحكمة والموعظة الحسنة مِنْ غيرِ تعنيفٍ ولا تحريضٍ على الخروج ولا اغتيالٍ ولا تفجيرٍ، ولا يرضَوْن بهذه الأمورِ إلَّا ما كانَتِ الشِّدَّةُ والغلظةُ في مجالها الحقِّ الصَّحيح وبالوجه المشروع»(٣).
وأخيرًا فإنَّ هذه التَّسمياتِ المُغرِضةَ والألقابَ المسمومةَ الَّتي يتغنَّى بها خصومُ الدَّعوةِ السَّلفيَّةِ ما هي إلَّا عَقَباتٌ عائقةٌ في وجه أبناءِ الأمَّةِ المُخْلِصين وعُلَمائها العاملين الَّذين أَنْفَقُوا أوقاتَهم وكرَّسوا جهودَهم عبر المَراحِلِ التَّاريخيَّة المُتسلسِلةِ في مسيرتهم الدَّعويَّةِ لإحياء المنهج السَّلفيِّ السُّنِّيِّ، واستعادةِ مسلك الرَّعيل الأوَّل، والنُّهوضِ بالدَّعوة للعودة بالإسلام إلى صفائه الأوَّل ـ قديمًا وحديثًا ـ وهي عقباتٌ تعتري طريقَهم اليومَ وتعوق مسيرةَ الدَّعوةِ وانتشارَها، وتحول دون النُّهوضِ بالمسلمين وانبعاثِ حضارتهم مِنْ جديدٍ، وخاصَّةً في هذا العصرِ الَّذي استفحل فيه الصِّراعُ بين المَذاهب الفكريَّة والمناهجِ العَقَديَّة المُخْتلفةِ والإيديولوجيَّات الغربيَّة المُتبايِنة.
وقد بيَّنْتُ هذه العَقَباتِ والعوائقَ في مقالٍ جانبيٍّ موسومٍ ﺑ «عقبات في طريق المنهج السَّلفيِّ»، ومِنْ ذلك:
«ـ تَقمُّصُ بعضِ الحركات التَّكفيريَّة والأحزابِ المشبوهةِ ثوبَ أهلِ السُّنَّة والجماعة وتَغَلْغُلُها في السَّاحة الدَّعويَّة باسْمِ السَّلفيَّة الجهاديَّة أو السَّلفيَّة الحزبيَّة ـ زَعَمُوا ـ وغيرِهما مِنَ الأسماء؛ ليُعْطوا المصداقيَّةَ لحركاتهم الثَّوريَّة القائمةِ على نَزْعِ اليد مِنْ طاعة الحاكم، وترويعِ الآمنين، وسَفْكِ الدِّماء وقَتْلِ الأبرياء، وإتلافِ المُنْشآت وتخريبِ المُمْتلَكات، وإحداثِ الفوضى الاجتماعيَّة والاضطرابات الأمنيَّة لزعزعةِ كيان الدَّولة المسلمة، ثمَّ نِسْبتها إلى السَّلفيَّة تشويهًا للحقِّ وتضليلًا للنَّاس، وترسًا للتَّعميةِ في مُخادَعةٍ خطَّافةٍ مِنْ أعداء أهل السُّنَّة لمُغالَطةِ ضُعَفاءِ البصيرة أو القلوب غيرِ الواعية، الفاقدةِ لمَعاييرِ التَّمييز بين الحقِّ والباطل(٤).
ـ تَسلُّلُ تقسيماتٍ اصطلاحيَّةٍ باطلةٍ ابتدعها المُغْرِضُونَ للدَّعوة السَّلفيَّة والمُناوِئون لها، وأهلُ أحزاب المَناهِجِ الدَّعويَّة وشِيعَتُهم، يعملون على تفعيلها في وسط السَّاحة الدَّعويَّة: كتقسيم السَّلفيَّة إلى: سلفيَّةٍ وطنيَّةٍ، أي: المُوالِية للسُّلطة، وتُقابِلها: السَّلفيَّة الجهاديَّة، أي: المُعادِية لها؛ وسلفيَّةٍ تجديديَّةٍ أي: الدَّاخلة في مُعْترَكِ السِّياسة والأحزاب، وتُقابِلُها: سلفيَّةٌ تقليديَّةٌ وهي السَّلفيَّة العلميَّة، ناهيك عن الألقاب والنُّعوت والمَعايِبِ الكاذبة الَّتي ما أَنْزَلَ اللهُ بها مِنْ سلطانٍ، وأَكْثَرُها انتشارًا كلمةُ: «الوهَّابيَّة»، ثمَّ صِيرَ بعدها إلى كلمةِ «الجاميَّة» ﻓ «المدخليَّة»؛ كُلُّ ذلك بُغيةَ إضعافِ
سواء السَّبيل، وفضَحَ مخطَّطاتِهم ودسائسَهم وزيفَهم مِنْ جميع الجماعات الإسلاميَّة الدَّعويَّة، على نحوِ ما حارب المُبطِلون مِنْ دُعاة الضَّلالِ دعوةَ الشَّيخ محمَّد بنِ عبد الوهَّاب ـ رحمه الله ـ، وحارب المتعصِّبون الجامدون دعواتِ الاجتهاد للأمير الصَّنعانيِّ والعلَّامةِ الشَّوكانيِّ، وإمامَيِ النَّهضة الجزائريَّة عبدِ الحميد بنِ باديس ومحمَّدِ البشير الإبراهيميِّ ورفاقِهما، وعبدِ الرَّحمن بنِ يحيى المُعلِّميِّ ومحمَّد ناصر الدِّين الألبانيِّ وغيرِهم ـ رحمهم الله ـ مِنْ دُعَاةِ الرُّجوع بالفقه إلى الدَّليل مِنَ الكتاب والسُّنَّةِ والاستفادة مِنْ أنظار العلماء دون جمودٍ أو تحجيرٍ بمذهبِ إمامٍ معيَّنٍ، والرُّجوعِ بالعقيدة إلى فهمِ سلف الأمَّةِ جملةً؛ ولا فرقَ في دعوة جميعِ هؤلاء المشايخ ـ رحمهم الله ـ إلى الإسلام النَّقيِّ المصفَّى مِنَ الشِّركيَّات والضَّلالات والبِدَع والخرافاتِ؛ وما دعوتُهم إلَّا امتدادٌ لدعوةِ المتَّبِعين لمحمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم مِنَ السَّلفِ الصَّالح ومَنْ سارَ على نهجهم مِنْ أهل السُّنَّة والجماعة، الَّتي لا تخرج عن أصولهم ولا عن مسلكهم في الدَّعوة إلى الله بالحُجَّة والبرهان؛ قال تعالى: ﴿قُلۡ هَٰذِهِۦ سَبِيلِيٓ أَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِيۖ وَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٠٨﴾ [يوسف].
هذا، وللعلم فإنَّ الشَّيخَ ربيعَ بنَ هادي المدخليَّ ـ رحمه الله ـ شخصيَّةٌ دعويَّةٌ حديثيَّةٌ وعلميَّةٌ بارزةٌ في الأوساط السَّلفيَّة، وليس برَجلٍ حَركيٍّ ولا سياسيٍّ، وإنَّما هو رَجلُ دِينٍ ودعوةٍ، ضليعٌ في معرفة المنهج الدَّعويِّ السَّويِّ، خبيرٌ بالحزبيِّين وبالمناهج الدَّعويَّة الأخرى، ذو بَصيرةٍ وبُعدِ نظرٍ، شديدٌ على أهل البِدَع والخرافةِ ومحذِّرٌ مِنْ زيغِهم وانحرافهم، يجادلهم بسلطانٍ مبينٍ لا بالأباطيل والهوى، وينبذ الخروجَ على وُلَاةِ الأمور، وليس مِنَ الدُّعاةِ إلى الولاء لهم مُطلَقًا كما يزعمون، وإنَّما يرى أنَّ طاعةَ وُلَاةِ الأمور تكون في المعروف دون المعصية على ما تجري عليه النُّصوصُ الشَّرعيَّة، وهو شديدٌ في محاربة التَّيَّارات الإسلاميَّة المنحرفة، قويٌّ بالحجَّةِ والبرهان، يتحدَّى المُبطِلين والمُغرِضين، ويُواجَهُ مِنَ العقباتِ الدَّعويَّةِ ويتحمَّل آثارَها بصبرٍ ويقينٍ؛ ولا يخفى أنَّ التَّحدِّيَ يثير الضَّغائنَ والعداوة؛ لذلك كان يُحرِجُهم ما تحمله مقالاتُه وكُتُبُه ورسائلُه مِنْ ردودٍ على أصولهم وإبطالٍ لمزاعمهم، وقد أثنى على جهود الشَّيخ ربيعٍ ـ رحمه الله ـ ثُلَّةٌ مِنْ كبار العلماء كالشَّيخ ابنِ بازٍ ـ رحمه الله ـ والشَّيخِ الألبانيِّ ـ رحمه الله ـ ولقَّبه ﺑ «حامل لواء الجَرح والتَّعديل في العصر الحاضر»، والشَّيخ مقبلٍ الوادعيِّ ـ رحمه الله ـ وقال عنه: «آيةٌ مِنْ آيات الله في معرفة الحزبيِّين»، والشَّيخِ ابنِ عثيمين ـ رحمه الله ـ الَّذي قال عنه: «أنا لا أَعلَمُ عنه إلَّا خيرًا، والرَّجلُ صاحبُ سُنَّةٍ وصاحبُ حديثٍ»، وغيرهم كثيرٌ.
ولا يخفى أنَّ منهجَ أهلِ السُّنَّة والجماعة معصومٌ وجماعتُهم معصومةٌ، غير أنَّ أفرادَهم أو آحادَهم يقعون في أنواعٍ مِنَ الخطإ والمخالفة؛ لذلك فإنَّ الشَّيخَ ربيعًا ـ رحمه الله ـ وغيرَه ممَّنْ هو أجلُّ منه فضلًا عن غيرِه غيرُ معصومين مِنَ الخطإ، فهُم مجتهدون مِنْ أهل السُّنَّة والجماعة، يصيبون ويخطئون، والشَّيخ ربيعٌ وإِنْ كان قد جانَبَهُ الصَّوابُ في بعض المسائلِ الاجتهاديَّة، لكنَّ خطأَه أقلُّ مِنْ صوابه، وهو مغمورٌ في بحرِ حسناته؛ و«إِذَا كَانَ المَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الخَبَثَ»(١)؛ إذ يقع في آحاد أهل السُّنَّة ـ كما تقدَّم ـ مِنَ الخطإ والغلط وأحيانًا مِنَ البغي والمخالفةِ والظُّلمِ وسوءِ التَّفاهم بسبب الوشاية ونحوها، ما لا يخفى؛ لكِنْ لا يُسكَتُ على مَنْ وقَعَ فيها ولا يُقَرُّ عليها، بل يُنصَحُ فيها ويُبيَّنُ له برفقٍ، لأنَّ مِنْ حقِّ المسلم على المسلم التَّواصيَ بالحقِّ والصَّبرِ وبالمرحمة، ومِنْ نصرِه أَنْ يُبصَّرَ بخطئه برفقٍ ويُمنَعَ منه ما كان للرِّفقِ في ذلك مجالٌ، وإنَّما يبتعد السُّنِّيُّ عن السُّنَّةِ بقدرِ مخالفته وبحسب ما تقتضيه، سواءٌ كانت عن اجتهادٍ محضٍ أو لنوعِ شبهةٍ ومُداخَلةِ بعضِ الهوى؛ وهذا بخلاف المناهج الأخرى وجماعتِهم فهي غيرُ معصومةٍ منهجًا وجماعةً وأفرادًا؛ لذلك نجد عندهم مِنَ المخالفاتِ والأخطاء والظُّلمِ والبغيِ والعدوانِ أكثرَ بكثيرٍ ممَّا عند آحادِ أهلِ السُّنَّةِ مع أنَّهم لا يُقرِّونَهم عليها؛ وإذا كان عند المناهج الأخرى مِنَ العلم والفضل والزُّهد والورع وحُسنِ الخُلُق وغيرِها مِنْ أوصاف الكمال فإنَّ ما عند أهل السُّنَّةِ والجماعة أعلاها وأكملُها وأتمُّها وأقواها.