
الغازي محمد
عن ضرب الأبناء والطلبة!
[3/4] (2) أما الثانية، فهي أني العام الماضي هذا، قرأت كتابًا ما، فهدم لي رفًا كاملًا من مكتبتي، أنا لا أقول لك "لم اقرأ"، بل لو أدركتني قبل أن أفتح هذا الكتاب بيوم، وطلبت مني ترشيحًا في موضوع الكتاب هذا، لقلت لك كتبًا رصينة للغاية، بل فوق الرصينة، كتبًا هي…
[2/4] الآن، ما كتبت لك هذا لأتظاهر أمامك بحصيلتي المعرفية المهولة، وأقول لك انظر من أعرف ومن لا أعرف، ويأتيك خبر هذا لاحقًا. إنما كتبتها لأنها نماذج على "حسن" استخدام قوائم القراءة، ففي الأولى القراءة هي قراءة "منهجية" بحق، لأنها ببساطة قراءة تعليم وتحصيل،…
[1/4] في قوائم القراءة، وواضعها، وطالبها، وحاملها، ومن حُملت إليه. === أكثر ما جاءني من رسائل بعد منشوري الأخير هذا، كان طلبات لترشيحات "قوائم" كتب في موضوعه، وليس موضوعه بواحد أصلًا، لكن ما علينا. وبدايةً أقول لكل من راسل مشكورًا على ثقته فيّ وائتمانه إياي…
[1/4]
في قوائم القراءة، وواضعها، وطالبها، وحاملها، ومن حُملت إليه.
===
أكثر ما جاءني من رسائل بعد منشوري الأخير
هذا،
كان طلبات لترشيحات "قوائم" كتب في موضوعه، وليس موضوعه بواحد أصلًا، لكن ما علينا. وبدايةً أقول لكل من راسل مشكورًا على ثقته فيّ وائتمانه إياي على ما يقرأ: لست أعني واحدًا منكم بما سأتكلم فيه فلا يحمّلنكم ما سأكتب على أن تظنّوا أني انزعجت من أشخاصكم أو من طلبكم بعينه، إنما هو كلام عام في شأن عام.
المنشور لبتوع الريلز:
س: هلّا رشحّت لنا قائمة في كذا وكذا؟
الجواب: لا، لن أفعل.
س: ليه طيّب؟ ما مشكلة قوائم الكتب؟
الجواب: لا مشكلة فيها، حلوة.
انتهى المنشور وصلّى الله وبارك. :)
عرض المزيد
في عالم العلم وأهله، وبخاصة في الدوائر الأكاديمية الغربية، قوائم الكتب جزء أساسي ومركزي من الممارسة العلمية نفسها.
فمثلًا:
(1) ليس ثمّة مقرر دراسي، في أي جامعة في هذا الجزء من العالم، مميزة كانت أو غير مميزة، إلا وطبيعة التدريس تتطلب أن يعدّ مدرّس المادة ورقة بالمنهج الدراسي - والعياذ بالله - يشرح فيها لطلّابه ما هو هدف هذا المقرر، وكيف يجب أن يسلكوا فيه، وما شروطه ومطلوباته، ثم يرفق هذا بعرض تفصيلي للمقرر بالأسبوع، ولأنه في هذه البلاد وهذه الدوائر - والعياذ بالله - يجب أن يأتي الطالب وقدّ "حضّر" المقرر، فيحتاج أن يقرأ مجموعة من المصادر، فيحيله الأستاذ على مجموعة من مصادر تلزمه قراءتها لأنه سيشارك في المحاضرة في نقاشها والتفاعل معها - عش رجبًا ترى عجبًا بقى -، هتلاقي الأستاذ كاتب لحضرتك: "students are expected to make the required readings before coming to the class ."
هنا مثلًا
كورس
من بياتريس شيريه وهي أستاذة متخصصّة في تاريخ الاقتصاد (تاريخ الاقتصاد أي بما هو حقل دراسي history of economics لا التاريخ الاقتصادي economic history) - كانت قد جنّنتي لفترة بـ"عواصف التغريدات" التي تكتبها على تويتر وتفتح رأس موضوع فلا تتركه إلا جثّة هامدة، عاصفة من التغريد تقعد تقرأ فيها لغاية ما نفسَك يتقطع - المهم، نعود للقائمة، هذا مقرّر في تاريخ الاقتصاد الحديث من خلال بعض الجدالات النظرية الأساسية فيه، ستجد هنا أن طالب بياتريس - المحظوظ جدًا - سيمد يده إلى مصادر أصلية كثيرة بإشراف أستاذة متمكنّة جدًا، وليس هذا وحسب، سيهضم هذه المادة، ويخرج "ليناظر" زملائه تحت أعين الأستاذ، فلو التزم طالبنا هذا بما يجب عليه، فيسحظى بتعليم ممتاز في موضوعه، وسيخرج وقد اطّلع في كل محاضرة على بضعة كتب في موضوعها، وهضم محتواها، وناظر عن رأي فيها، تجربة تعليمية متكاملة.
فتلك قائمة كتب، وأي قائمة.
(2) أيضًا من معتادات الأكاديميين، المتخصصين في موضوع ما، أن ينشروا قوائم كتب بيبلوجرافية، تعين الباحثين والقرّاء على الإحاطة بموضوع هم من أهله وخاصته، خذ هنا مثلًا ومن نفس الحقل، قائمة أعدّها وليام ديفيز، وما أدراك ما وليام ديفيز، وحلاوة
مراجعات الكتب
التي يكتبها وليام ديفيز، وهو عالم اجتماع مهتم بتاريخ الاقتصاد كذلك، صاحب كتاب "صناعة السعادة"، و
تلك قائمة
أعدّها لتكون قائمة "مراجع" عن النيوليبرالية، ووليام ديفيز لم يكتب هذه القائمة لأنه "مهتم" بل لأن له كتابًا عن النيوليبرالية تحديدًا وهي ثيمة بحثية مطروقة كثيرًا في غالب مؤلفاته.
وهذا النوع من القوائم قريب من فكرة موقع مثل fivebooks.com، وفكرته الأساسية هي أنه يأتي بمتخصص، كتب كتابًا في الموضوع المطلوب أن يرشّح فيه، ثم يرشّح أهم 5 كتب من وجهة نظره للتقدمة لهذا الموضوع.
مثلًا هنا
توماس بيكيتي يرشّح عن التغيير والأيدولوجيا الاقتصادية
، وهنا إيما روتشيلد - وهي مؤرخة ملء السمع والبصر -
ترشّح في التاريخ الاقتصادي
- التاني بقى اللي هو مش بتاع بياتريس - وميزة هذه الترشيحات أن المرشِّح يشرح لك لماذا انتخب كل كتاب من الخمسة وما مقصوده منه، فتفهم "منهجيته"، آه من المنهجية، تلك الكلمة التي امتهناها كثيرًا حتّى فقدت معناها والله.
ومِن جنس هذا: ما تلحقه الكتب المراجع (textbook) بفصولها كقراءات مرشّحة أو للاستزادة، فهو من نفس الباب. ومنه كذلك أن يحاضر محاضر عن شيء ما، ثم يضع آخر محاضرته قائمة مقروءات ساعدته في التحضير أو تساعد راغب الاستزادة.
فتلك قائمة كتب أخرى.
[.....
يتبع
]
[
تكملة
]
إذا ساحَ الناسُ في مناقشة آثار الذكاء الاصطناعي على العمالة والاقتصاد، فإني لا أغرق في "التنبؤات"، أنا
أعرف
أن العلاقة بين التكنولوجيا والعمل مسألة قتلت بحثًا وإني سأتناول كلام ريكاردو في فصل "حول الآلات" وكلام ماركس في رأس المال، وكلام المنظّر الفلاني حول عمّال المعرفة، وكلام آخر حول العمل الذهني، وكلام آخر حول القوة التفاوضية.. إلخ، وحتّى لو كنت من النيوكلاسيك فسأنظر في "الطلب الفعّال".. وفلان الفلاني، المبرمج الشاطر، أو المصمم الفنّان، ليس إلّا "واحدًا" من مئات الملايين من البشر الذين ستجري عليهم هذه الظاهرة بقوانينها، "وسوق العمل" يجمعهم كلهم على السواء، لكن لـ"فلان" تلك هي "مهنته"/"حياته" وبالتالي
مشكلته
. غير أنها والله فعلًا ليست
مشكلته
البتّة، على الأقل ليست مشكلة
فيه
.
عندما تفهم أن كل الأشياء لها جذر اجتماعي، تصبح المشكلات أكبر بكثير، وأشد استعصاءً بكثير، وأصعب بكثير من مجرد "ألم شخصي" عابر. وتعرف أنّه حتّى لو نجحت "حالات فردية" في النجاة، فإن آليات إنتاج الظاهرة ستعمل عملها لتنتج المزيد، ودون توقّف.
عندما تفهم أن المواقع الاجتماعية وما تستبعه ليست حتميات وإنما نتيجة سياسات، تختفي من العالم الثوابت التي يجري تعليق أغلب المشكلات الشخص-اجتماعية على حائطها لأن هذا الحائط كان هناك، وهو هناك، وسيظل هناك إلى الأبد، غير أن "هناك" ليس إلّا مكانًا متوهمًا.
باختصار: الآن
أعرف
غير أنّي محتاس بهذه المعرفة..
الآن
أفهم
، غير أنّ يدي أقصر من أن تطال مفاتيح الحلّ.
والآن
أجني
غير أنّي لا أجد مسلكًا أو مساغًا لما جنيت.
لا تذهلنّ عن الطين وأنت تدعو بالمطر..
تأملات شِبه شخصية.
'There are no side effects – just
effects
,'
- John Sterman
حتى أشجعنا نادرًا ما يملك شجاعة تحمُّل كل ما يَعْلم...
- نيتشه
تمنّيت ..
تمنّيت أن أفهم العالم، أردتُ أن أفهم
لماذا
تحدث الأشياء، لماذا نحن على ما نحن عليه؟
تمنّيت أن أفهم معاناتي، أردتُ أن أفهم
لماذا
جرت على ما جرت عليه الأشياء، ولماذا أنا على ما أنا عليه؟
تمنّيت أن أفهم الآخرين، أردتُ أن أفهم
لماذا
تؤثر فيهم الأشياء، ولماذا هم على ما هم عليه؟
وطوّفت بي الدروب حتى ملّتني ومللتها، وارتحلتُ بين نماذج في التفسير لا جامع بينها إلا تضادّها، ولا اتفاق بينها إلا اختلافها..
ثم حطّت بي قافلة الرحلة عند باب العلوم الاجتماعية، وقد وجدتُ فيها مفاتيح الجواب على هذا وأكثر منه، غير أنها ما تركت لي شيئًا أستعين به على الدنيا إلّاها، فكل طريق غيرها أبطلَته، وكل نموذج غيرها أظهرت عيبه، وكل حادثٌ لها فيه حديث، وكل جديد له جذر قديم، وكل مشكلة شائعة مهما بدت بسيطة فإن مجموعة من أذكى عقول عصرنا قد اجتمعت في لحظة ما لفحصها ودراستها وأفنى بعضهم فيها عمره.
غير أنه لو جاز أن نصف شيئًا يكون هو المفتاح المركزي واللون الأساسي الذي يصبغ غيرَه الذي خرجتُ به منها، لكان فهمَ أن هذه الثلاثة أسئلة متصّلة أيما اتصال، بل إن الجواب عن الأول لازمٌ للجواب عن ما يليه، بل فوقَ هذا، أن كثيرًا ما يكون الجوابُ أصلًا هو الجواب الأول وحده..
عندما تفهم كلمة "ظاهرة" لا يعود معيار النظر هو نفسه المعتاد عندك قبلها، وتفقد المعاناة كثيرًا من سِمتها المتفردة، بل وتخلصُ كثيرٌ من المشاكل من حاملها أصلًا لأن حاملها هذا ليس إلا وحدة واحدة من جمهرة كلها تسري فيها نفس الآليات وتنتج فيها نفس النواتج!
ولا يذهبنّ بكَ الظن أني أعزف على وتر: لعنة الوعي، وأني تفرّدت - أنا الآخر - بمكتشفات بتّ بها مرتفعًا عن مشكلاتي أو مشكلات الآخرين، فما قلتهُ أعلاه سيجدُ من قرأ فاتحة الفصل الأول من كتاب الخيال السوسيولوجي لميلز تشابهًا - بل تطابقًا - بين الكلامين، إذ يحاول الرجل أن يؤسس لفكرة أن كل "مشكلة شخصية/خاصة"
غالبًا
ما تكون ناتجَ "مشكلة اجتماعية/عامة"، أقول هذا لأقول أن هذه ليست لحظة "تنوّر" استأثرت بها دون العالمين ولا أنّي جبت الديب من ديله يعني.
غير أنّي إنما أحكي هذا لأقول أن هذه النظرة، ذلك النموذج، إنما أفسد كثيرًا من مادة الحديث المعتادة بين الناس عليّ، وأفسد عليّ طرائق التفسير والعلاج المعتادة، أنا الآن
أعرف
أن مشكلة سائق التوكتوك التي يستفيض في حكايتها وهو يزجي وقته أثناء السير ليست مشكلته
هو
بل ليست مشكلته
أصلًا
. فماذا أفعل الآن؟، هل يجب أن أشرح للرجل الاقتصاد السياسي لمصر ليفهم أن جذر المشكلة لا علاقة له البتّة بسعر البنزين؟ وأنه ليس إلّا مظهرًا لمشكلة أعمق؟ ثم لو أردت - جدلًا - أن أشرح له الاقتصاد السياسي لمصر، فأخبرني -باللهِ- كيف السبيل إلى مثل هذا؟
عندما يشكو فلانٌ أو يظهر تريند ما عن الأسرة آبائها بأبنائها، أزواجها بزوجاتها، وتجد أن الخطوط الأساسية للخلاف عند الفحص الدقيق ليست أبعد أيضًا من الاقتصاد السياسي، والموقع الطبقي، وسهولة/صعوبة الترقّي الاجتماعي، وأسئلة العمران والاجتماع السياسي، هل كون "تأخر زواجك" ليس إلا جزءًا من
ظاهرة عامة
سيجعل حل المشكلة ممكنًا؟، هل يجب أن نعطي للمقبلين على الزواج دورات في النيوليبرالية مثلًا حتّى يفهمّوا كيف يحكم واقعهم الخارجي واقعهم داخل المنزل؟ وأن نسبة الدين الخارجي للناتج المحلّي الإجمالي مؤثرة كثيرًا في استقرار زواجك وربما أكثر بكثير من طبائعك الشخصية؟ وبشكل لا تتصّوره؟ ثم لو كان، فماذا أفدنا؟ خير يعني؟
عندما يشكو إنسان من البطالة فتنظر في الإحصائيات فتجد أننا لو تجاوزنا التعريف الرسمي، لوجدنا أن هذه المشكلة تجمع عددًا هائلًا من الناس، ببساطة لو جمعنا هؤلاء معًا لكان عددهم يقوم مقام دولة مستقلة في عدّد السكان، بل ربما يفوق دولًا مجتمعة من الدول في إقليمنا هذا، لكن كون الأمر "ظاهرة" لا يلغي أن هذا الإنسان سيظل يعاني من
مشكلة
هي في عينه
مشكلته
حصرًا، وهي مشكلته بالتأكيد غير أنها ليست حصرًا مشكلته. وحتّى لو تنزلنا جدلًا فعلمَ هذا، فإن
حلّها
سيظّل مسألة هو وحده المعنيّ بها حتّى لو كان لا يجب عليه، أو لا يستطيع في حقيقة الأمر أن يفعل.
عندما تشكو الأجيال من أنها لا تفهم بعضها مثلًا، وأن قيمها وعوالمها لا تجد بينها أي وسائل تجسير، ومين عامل لمين تروما، فماذا سيفيد الشاكي، أو المشكو منه، أن يعرف أن هذه ظاهرة لا تجتاح مجتمعنا وحسب، بل العالمَ كله، وأن أسبابها يصعب جدًا على الفرد اجتنابها، بل يستحيل في مواضع. لا أدري. لكنّها مع ذلك تظل
ظاهرة
، وستظل كذلك مهما بدت الشكوى خاصة وفردية ومتجهّة نحو سلوك/شيء بعينه.
[
يتبع
]