
أَڤين بشّار
الفكرة سراجُ القلب؛ فإذا ذهبتْ فلا إضاءة له.
من الحِكم العطائيّة، تاج الدّين السكندري
أفتّش هاتفي القديم لأخذِ عددٍ قليل من الذكريات المصوَّرة، فأحصيت نحو مئةٍ وثمانين مقطعاً لمشهدٍ مكرَّر، لأبي الشُّجاع النَّبيل، لحظةَ دخوله البيت عائداً من العمل؛ وهي اللحظة التي يبلغ الحبُّ فيَّ أشدَّه، وتساوي عندي الدنيا كلّها، بمتاعها وملذّاتها؛ لذلك أوثّقها يوماً بيوم. لاحظت أنّ المقاطع التي يفتح فيها أبي بابَ البيت بابتسامةٍ شديدة الاتّساع كانت في آب اللهّاب، بعد أن قضى في عمله اليوميّ، تحت أشعّة الشمس مباشرةً، نحو إحدى عشرة ساعةً.
وبما أنّني أمتلك ذاكرةً بحجم جبل، أتذكّر كلّ حديثٍ دارَ بيننا بعد توثيق اللحظة ودخوله عتبةَ البيت؛ إذ حتّى في أيّام الرّمضاء والحرّ، يحرص، بقلبٍ متّقدٍ، على معرفة أحوالي قبل تبديل ملابسه، ويهوّن عليَّ ما أجدُ من خطبٍ يسير، ممّا لا يُقيم له الآباءُ وزناً في الغالب، ويطلب إليّ أن أشاركه عشاءه بحديثي؛ فيبتسم للنّكاتِ ذاتها، ويتلقّى مكرَّرَ كلامي بدهشةٍ متجدّدة، كأنّه يسمعه أوّلَ مرّة.
كلّ حبّ أستطيع بثّه له فضلٌ فيه، وكلّ قوّة نفسيّة وروحيّة وبدنيّة فيَّ له فضلٌ فيها، وكلّ قدرةٍ عندي على الإحسان والرّحمة والتّراحم والمنطق المهذَّب له فضلٌ فيها، وكلّ خصلةٍ من خصالي له يدٌ فيها؛ لذا أقولها اليوم وكلّ يوم: سلامٌ عليك يا بابا، أنت أكثرُ الناس بطولةً وقوّةً وحبّاً؛ سلامٌ على كدّك وسعيك ونُبلك، وعلى جميل صبرك وإحسانك لبيتِك رغم إجهادك، سلامٌ عليك بقدرِ كلّ حبّ محضٍ تغمرني به كلّ صباحٍ ومساء. لا جفّ حضورك أبداً يا دفءَ وجودي وحصانةَ قلبي، وأعانني ربُّنا الرّحيم على إيفائك حقّ البرّ والإحسان والرّحمة.
تذكّر كلّ يوم نصيحة تولستوي: "لا تتبنَّ إجابات الآخرين عن أسئلة لم تراودك بعد".
السَّمع مادّةُ الفكر الأولى؛ فمَن حسُنَ استماعُه وتخيّرَ ما يسمع، استقام وجوده.
يُغريني استعمال تطبيقات المحادثة في الذكاء الاصطناعيّ، ولا أخشى على نفسي من البلادة، أو الخمول المعرفيّ، أو فقدان ملَكات المعرفة في حال سؤالها والاستعانة بها؛ إذ إنّني أتحكّم بالأشياء والأدوات، لا العكس.
لكن، في إحدى ليالي رمضان، جاءني إحساسٌ أنّ هذه الأدوات قد تُبعِد المُستعمِل عن سؤال الله إبانةَ الأمور وإيضاحها؛ ما يتنافى مع إقرارنا "إيَّاكَ نَسْتَعينُ"، فحتّى سؤالنا "أيّ طريقة أفضل لكذا؟"، و"وضّح لي كذا"، و"كيف أتصرّف في هذا الموقف؟"، و"اخترْ موضوعاً للبحث"، وغيرها من الأوامر التي يستقبلها النظام، قد تحجب القلوب، بصورة خفيّة، عن الاستعانة بالعليم الخبير الذي يفتح لعباده مغاليق العلوم ويهبهم شتّى الأساليب والطرائق ويفهّمهم؛ ما قد يؤول بالمرء إلى جعل الله آخر مَن يُفزَع إليه ويُستعان به.
قد لا يفهم هذا الكلام إلّا قلّة؛ إذ إنّ جامّ الحرص منصبّ على التحذير من فقدان الملكة العقليّة، لا الروحيّة، رغم أنّ كثيرين، في هذا العصر، تحوَّل مفزعُهم من التدبير الإلهيّ إلى التدبير الخوارزميّ؛ فصارت التقنيّة حجاباً كثيفاً يُنسي العبد عجزَه الفطريّ ويُوهِمه بالاستغناء المعرفيّ.
*لا يتعارض هذا الكلام مع
استثمار مُنجَزات العصر، وأنّ تيسير السبل محمود.
رغم بلوغي شدّة الرضا عن بِنيتي الجسميّة، فإنّني كثيراً ما أتعلّق بالذهاب إلى الـGym، لمّا خلصتُ إلى أنّه مكانٌ لتسبيح الله تسحبياً عمليّاً، ووسيلةٌ للاستغفار والتطهُّر العمليَّينِ ومحوِ ما خزّنه الجسمُ من بيانات وأوزارٍ متراكمة، ودعاءُ الله باسمَيه: القويّ العزيز.
ورغم أنّني كثيراً ما أركّز نظري على نفسي وتماريني اليوميّة، فإنّني أحبّ مشاهدة الفتيات وهنَّ يتمرّنَّ بعض التمارين الهوائيّة؛ لأنّ هذا المشهد، في فكري، امتدادٌ فطريّ لأصل المؤمن المتحرّك الذي إذا سكنَ وركدَ أسنَ وفسدَ. كذلك هو مشهد عمليّ لأفعال الحركة على مساحة النصّ القرآنيّ كلّه: (السّعي، المسارعة، الفرار إلى الله، عملُ الصالحات)؛ وهكذا تكون الرياضة لوجه الله وابتغاء نور الرَّشاد.
كلّما ركّزت انتباهي في أحاديث الناس عامّةً، أو المفكّرين والباحثين، بدا لي أنّ لكلٍّ منّا فكرة أساسيّة واحدة نقضي عمرنا كلّه في سبيل إيضاحها؛ وغيرُها من الأفكار تكون شرحاً أو توضيحاً لها.
سُئِل أبو عثمان الحيريّ، رحمه الله تعالى، عن الغمّ الذي يجده الإنسان ولا يدري من أيش هو، فقال: إن الروح تتحفّظ الذنوب والجنايات على النفس، وتنساها النفس؛ فإذا وجدتِ الروح صحوًا من النفس عُرِض عليها جناياتها فيغشاها الانكسار والذوبان، وهو الغمّ الذي يجده، ولا يدري من أين دخل عليه.