
براء !
لو ذهبنا نشترط الصفاء في كل حرب دارت رحاها بين باطلٍ وحقٍّ مشوبٍ بالعلائق، لما كاد يصفو لنا، بعد القرون المفضّلة، من معارك الإسلام وأيامه شيءٌ كثير. ولسنا نزعم لأحدٍ بعد محمد ﷺ عصمةً، وإنما ندعو للصادقين، ونأخذ على يد الظالم، ونجاهد الباغي، وننتصر للمظلوم.
اللهم انصر عبادك
الصادقين
في يمن الإيمان، قوّ عزمهم، وثبّت أقدامهم، واجمع على الحوَثَة رجزك وغضبك، فرّق شملهم، وشرّد جمعهم، ثم انتصر لأوليائك يا كريم!
أحد أسباب محبتي لأدب المنفلوطي، هو تلك المسحة الحزينة التي تغشى قلمه؛ وذلك أن المرء متى تشبّع بمعانٍ تهيّج فؤاده، صار قلمه في الخفة ريشة، وفي البيان نارا، وقد صبغ كلماته بحرارة شعوره، ومرارة وجدانه، وصدق المعاناة.
وقد سُئِل أعرابي: ما بال المراثي أجود أشعاركم؟
فقال:
لأننا نقول وأكبادنا تحترق!
أصل المعنى في العبارتين واحد، والفرق في البيان بينهما كما بين السماء والأرض، رحم الله علماء الإسلام، وعَلّمَنا!
"ومن المركوز في الطبع أن الشيء إذا نيل بعد الطلب له أو الاشتياق إليه، ومعاناة الحنين نحوه، كان نيله أحلى، وبالمزيّة أولى، فكان موقعه من النفس أجلّ وألطف، وكانت به أضنّ وأشغف، ولذلك ضرب المثل لكل ما لطف موقعه ببرد الماء على الظمأ، كما قال:
وهنّ ينبذن من قول يصبن به ...
مواقع الماء من ذي الغلّة الصّادي
وأشباه ذلك مما ينال بعد مكابدة الحاجة إليه، وتقدّم المطالبة من النفس به
".
الجرجاني، أسرار البلاغة صـ ١٠٦.
الزيادة في تبسيط العبارة مورثة للملل عند مطالعة المصنفات، وكثير من الطلبة لا يشتهون من الكتب -دراستَها-، إلا ما استدعى إعمالَ ذهن، وكدَّ عقل، فأعقب طربا ساعة كشف المستحكم، وفتح المغلق، وانجلاء الخفاء.
من شأن الشرفاء ألا يسألوا من سبق ردُّه إياهم، ولا يستمطروا معروفَ من خيّب رجاهم؛ فالنفسُ الأبيّةُ تأبى أن تعاود بابًا رُدّت عنه، أو تتلمّس معروفًا ممّن لم يرَ لها عنده موضعًا.
تلكم الحالة الوجدانية التي تخامر قلب المرء بعد اطلاعه على عقل فحل في المعرفة، أو خروجه من نقاش فكري مع صاحب علم وبيان، مورثة لمعانٍ من شحذ النفس على الجد والجلد، وأخذ زمامها، وسَوقها إلى رياض تراثنا، فإذا بلغتها ثمَّ فلتَرتَع!
تحت الثرى.. عليك رحمة الله التي وسعت كل شيء، وفوق الثرى.. عليّ أحزان قلبي الذي ضاقت بكل شيء؛ تحت الثرى تتجدد عليك أفراح الجنة، وفوق الثرى تتقادم عليّ أحزان الأرض!
-محمود شاكر.
قلّبت للتو منشورات كثيرة جدا على فيسبوك، تنعي
الشيخ
وترثيه، وأخرى تفرح لقتله وتتشفى فيه، ومن بين هذا وذاك، أطلت قناة العربية -ملأ الله أجواف أصحابها نارا- تنشر مشاهد بثّها اليهود قبلهم، كأنها تتغنى بالمجد الحاصل، والفوز الذي تم، يوم أن استشهد قائد في النخبة، وحارس سابق للسنوار!
وما أدري أي الوصفين ألصق بهم، آلنفاق، أم العمالة! والله يقول: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ ۖ
وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا ۖ
فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ}