د. عبدالله بن بلقاسم
(وتواصوا بالصبر)
أحسن مجالس المؤمنين وأسعدها وأكثرها بهجة تلك المجالس التي يشيع فيها الحديث عن الصبر وثمراته وأجره وعاقبته
الأفواه التي تنطق بتصبير المؤمنين وتخفيف أوجاعهم
وتهوين آلامهم وتعظيم الصبر في قلوبهم
المجالس التي يرتادها المكلومون فتضمد جراحهم وتهدأ نفوسهم وتصغر مواجعهم
إنها المشافي التي تبرأ فيها الآلام وتنكشف فيها الغموم
الصبر الصبر الصبر
الكلمة التي تلف القلوب وتشد عليها
تواصوا رحمكم الله بالصبر في كل مجلس
تأملوا
تأملوا كيف أن الله أمر بالتواصي بالصبر أربع مرات في سورة واحدة
فقد استثنى الله من الخسران الذين آمنوا
والتواصي بالصبر من الإيمان
وعملوا الصالحات
والتواصي بالصبر من الصالحات
وتواصوا بالحق
والتواصي بالصبر من الحق
ثم أفرد التواصي بالصبر وحده
فهو خاص بعد عام وعام وعام
فليفرحوا
﴿قُلۡ بِفَضۡلِ ٱللَّهِ وَبِرَحۡمَتِهِۦ فَبِذَ ٰلِكَ فَلۡیَفۡرَحُوا۟ هُوَ خَیۡرࣱ مِّمَّا یَجۡمَعُونَ٥٨﴾[يونس ٥٨]
عامة المفسرين على أن فضل الله ورحمته هي الإسلام والقرآن على اختلاف بينهم في أيهما الفضل وأيهما الرحمة
وهذا يدل على الأمر،بعبودية الفرح بالإسلام
والإسلام هو الدين كله أصوله وفروعه
فكما يفرح المسلم بكونه مسلما ويفرح بكونه مصليا
كذلك يفرح بآحاد العبادات وأفرادها
يفرح بالركعة والسجدة والصدقة الواحدة وصيام اليوم والتسبيحة
يفرح لأن الله هداه وأعطاه التوفيق والعون لها وأحبها منه فيسرها له
وأنت ساجد تذكر كيف أن رب العالمين اصطفاك في هذه اللحظة لتسجد له وحده وتناجيه وتسبحه
تعلم الفرح بكل تفاصيل طاعاتك
استبشر بها
اجعل الفرح مقترنا بكل خطوة إلى الصلاة بكل لحظة بر أو صلة رحم أو زيارة مريض .....
املأ حياتك بأسباب الفرح
بالتلاوة والذكر والدعوة
وتعبد بالفرح بها فإن السرور بها طاعة وقربة
دسائس....
في مسند أحمد وسنن أبي داود
خرَجَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ يَعودُ عبدَ اللهِ بنَ أُبَيٍّ في مرضِهِ الذي ماتَ فيهِ، فلمَّا دخَلَ عليه عرَفَ فيهِ الموتَ، قال: قد كُنتُ أنهاكَ عن حُبِّ يهودَ، قال: فقَدْ أَبْغَضَهُم أَسْعَدُ بنُ زُرارةَ فَمَهْ؟ فلمَّا مات أتاهُ ابنُهُ فقال: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّ عبدَ اللهِ بنَ أُبَيٍّ قد مات؛ فأَعْطِني قميصَكَ أُكَفِّنْهُ فيه، فنزَعَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ قميصَهُ فأعطاهُ إيَّاهُ.
والحديث وإن كان في إسناده مقال مع تصحيح الحاكم وموافقة الذهبي فقد ضعفه الألباني
لكن فيه فائدة تتعلق بدسيسة من دسائس النفوس
فالنبي صلى الله عليه وسلم أراد نصيحة ابن أبي وتحذيره من موالاة يهود لعلها تنفعه قبل موته
فرد ابن أبي : بأن أسعد بن زرارة أبغضهم فمه
يقصد أنه مات أيضا
وهذه مغالطة من رأس النفاق
فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل إن معاداة يهود وبغضهم يمنع الأجل والموت.
وابن أبي هنا كالشامت بأسعد بن زرارة.
وقد تجد فيمن يشمت بأهل الخير إذا وقع لهم أمر
فيقول أحدهم وقع لفلان حادث وهو لا يترك الأذكار
ويقول آخر لرجل ابتلي بعقوق أولاده كان فلان شديد الحرص على أولاده وتعب عليهم.....فانظروا
ونحو ذلك
بل بعضهم يقول فلان كان ينصحني من الدخان فمات قبلي
والطبيب الفلاني كان يكثر في،نصحنا بالعادات الصحية وقد مات في،شبابه....
وفلان كان ينهانا عن التهور ومات في حادث....
والسبب والله أعلم
أن المنصوح يشعر بأن الناصح بلزومه للخير أفضل منه والنفوس تنفر من انخفاضها عن غيرها
فإذا وقع مكروه للناصح شمتت وأظهرت دسيستها الكامنة
وهذا قد يقع فيه من ليس بمنافق
لكنه مبتلى بهذه الصفة الذميمة
والمعافى من عافاه الله
فجاهد نفسك عن وساوس هذا الخلق الوضيع
وطهر روحك من خواطره
وامقت هذه الواردات فإنها نفاقية
وتذكر أن الناصح بيده النصيحة فحسب ولا يملك لنفسه ولا لك ولا لغيرك ضرا ولا نفعا
قُل لَّاۤ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِی نَفۡعࣰا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاۤءَ ٱللَّهُۚ وَلَوۡ كُنتُ أَعۡلَمُ ٱلۡغَیۡبَ لَٱسۡتَكۡثَرۡتُ مِنَ ٱلۡخَیۡرِ وَمَا مَسَّنِیَ ٱلسُّوۤءُۚ إِنۡ أَنَا۠ إِلَّا نَذِیرࣱ وَبَشِیرࣱ لِّقَوۡمࣲ یُؤۡمِنُونَ ١٨٨
واحذر الشماتة المغلفة في ثياب التوجع فإنه من يخادع الله يخدعه الله ويكشف ستره.
*الصحبة الصالحة* ...
وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِینَ یَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِیِّ یُرِیدُونَ وَجۡهَهُۥۖ
قال الطبري
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ﴿واصْبِرْ﴾ يا محمد ﴿نَفْسَكَ مَعَ﴾ أصحابك ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ بذكرهم إياه بالتسبيح والتحميد والتهليل والدعاء والأعمال الصالحة من الصلوات المفروضة وغيرها ﴿يُرِيدُونَ﴾ بفعلهم ذلك ﴿وَجْهَهُ﴾ لا يريدون عرضا من عرض الدنيا.
تدبر:
كثيرا ما نجالس أقواما لهم ألقاب علمية وسير طيبة وجهود دعوية وماض جميل لكننا لا ننتفع كثيرا
الآية تأمرنا بمجالسة الذين يدعون (بالفعل المضارع) ربهم
أي أن تكون تلك المجالس نفسها تتسم بهذه االديمومة كما يدل عليه قوله تعالى (بالغداة والعشي) ...
فالصحبة الصالحة النافعة هي المحتوى الذي يجتمع عليه (درس علمي) (حلقة قرآن) (مجلس مذاكرة) (قراءة كتاب)
الصحبة النافعة تحمل هذه العناوين (يدعون ربهم بالغداة والعشي).
أما الشخوص والأعيان مهما اكتظت سيرهم الذاتية فهم ماض لا يمكن صحبته والانتفاع به ألا بممارسة حية دائمة.
أن تجلس في مجلس عوام يذكرون نعمة الله عليهم
هو امتثال للآية أوضح وأجدر من مجلس مزدحم بطلاب علم لكن على غير شيء سوى ماجريات أو بادي الرأي.
عناوين الصحبة الصالحة هي فعاليات مجالسهم وما يدور فيها
وما تسمع وترى حين لقائهم.
*(الله لطيف بعباده)*
قال ابن عباس رضي الله عنهما
أي حفي بهم
وقال عكرمة :
بار بهم
وقال السدي:
رفيق بهم.
معظم أحزاننا عند التدقيق باعثها الإشفاق على الأحبة والغم من أجلهم :
الوالدين الأولاد الأهل الإخوة الأقارب الجيران الأصدقاء المسلمين
تجتاحنا الأحزان حين يمرضون ويتعبون أو يعانون أو يفتقرون أو يألمون
نتشارك الحزن
حين نسمع عن أي معاتاة يعيشونها
قلوبنا موزعة في المدن والقارات والمستشفيات والأماكن ....
حيثما كان الأحبة يألمون فنحن نقتسم
كسرة الألم معهم.
هذا التعاطف دليل على حياة القلب وحركته بالهم من أجل أحبابه عمل صالح
لكن لكي نخفف من وطأة الحزن
لابد أن نعيد قراءة هذه الآية على قلوبنا عندما تضربها أمواج الحزن
(الله لطيف بعباده)
بعباده كلهم
ومنهم أحباؤنا
أطفالنا
آباؤنا
أمهاتنا
إخواننا
(الله لطيف بعباده)
لطيف بأحبابنا
رفيق بأطفالنا
بار بأمهاتنا
حفي بإخواننا
لطيف بمرضانا بضعفائنا بمن سقطوا بمن مرضوا بمن يعانون بالمدينين
بالبنات بالأولاد
في بيوتهم في أعمالهم في مدارسهم
في غربتهم في انكسارهم
في مآسيهم
الله بار حفي رفيق لطيف بهم
في وحشتهم
في غيابنا عنهم
في وحدتهم
الله لطيف رفيق بار حفي
بأحبابنا
على أسرتهم في قبورهم في رحيلهم
في غرف العناية الفائقة
في سيارة الإسعاف
في الطوارئ...
في فقدهم في فشلهم في حرمانهم
الله رفيق بهم
حفي بهم
بار بهم
لطف ورفق وبر وحفاوة ورحمة
لا تشبهها رحمتنا
ولا يبلغها لطفنا
ولا تماثلها حفاوتنا
قلبك الموزع في جغرافيا الأحبة
ضع فيه يقينا بلطف الله
حيثما هوى به الحب.
*
وادكر بعد أمة
*
وَقَالَ ٱلَّذِی نَجَا مِنۡهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعۡدَ أُمَّةٍ أَنَا۠ أُنَبِّئُكُم بِتَأۡوِیلِهِۦ فَأَرۡسِلُونِ ٤٥
هذا الرجل لقي يوسف عليه السلام في السجن
ورأى ولمس إحسان يوسف عليه السلام إليه وشهد له به
ورأى رؤياه وهو في كرب عظيم وغم شديد
فبشره يوسف بالفرج والخروج والنجاة والمستقبل الذي غير حياته
والانتقال من ظلمة السجن إلى عز الملوك وقصورهم
ومع ذلك نسيه
ولم يتذكره إلا بعد أمة
أي بعد وقت حتى روى عن ابن عباس بعد سنين
نسيه وكل شيء يذكره به
الملك وسقيا الملك والرؤى
ومع ذلك نسيه....
فوطن نفسك على طبع الإنسان في نسيان الجميل
ولا تنتظر الجزاء ألا من رب كريم حفيظ
يحفظ لشيخ هرم تسبيحة تحركت به شفته
ذات مرة قبل تسعين سنة ...
وانظر إلى هذه اللفتة القرآنية المعترضة (بعد أمة)
التي كشفت الستر عن عوار النفس البشرية....
وتأمل لو حذفت كيف يغيب هذا المعنى....
(بعد أمة)
لاحظ أنه قد يفصلك عن إهداء البدنة أو البقرة أو الكبش دقيقة أو دقيقتين أو ثلاث.
لو تقدم صاحب الكبش،دقيقتين دخل في من أهدى بقرة....
فلو أدركت آخر الساعة كنت في الأهداء كمن أدرك أولها وبينكما نحو سبعين دقيقة
فلو تقدم من جاء الساعة العاشرة إلا ربع (صاحب الدجاجة) بخمس دقائق فقط دخل فيمن أهدى كبشا
الصورة تقريبية بتوقيت النماص اليوم الجمعة
لنحفز أنفسنا
عبودية التمعر
في صحيح مسلم ....من حديث جرير
كُنَّا عِندَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في صَدرِ النَّهارِ، قال: فجاءَه قَومٌ حُفاةٌ عُراةٌ، مُجتابي النِّمارِ أوِ العَباءِ، مُتَقَلِّدي السُّيوفِ، عامَّتُهم مِن مُضَرَ، بَل كُلُّهم مِن مُضَرَ، فتَمَعَّرَ وجْهُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لما رَأى بهِم مِنَ الفاقةِ،.....الحديث.
يشير هذا الحديث إلى ألم خفي يواجهه المنتصبون للتطوع وخدمة الناس بالعلم أو الفتوى أو الإغاثة أو الإرشاد أو تقديم العون
ألم الاطلاع على معاناة الخلق وأوجاعهم وأحزانهم اليومية ومتاعبهم
الفتوى والتواصل والمشاركة ليست مجرد جهد معرفي بل معاناة روحية متواصلة
خلف كل فتوى قصة ألم
ووراء،كل خدمة تطوعية انكشاف لمعاناة واستماع لرواية مؤلمة
والعاملون في هذا القطاع يتلقون أمواج الحزن التي تضرب قلوبهم على الدوام
حين تغلق الهاتف بعد استشارة أسرية
لا ينتهي كل شيء
بل تبدأ معاناة خاصة تلاحق بالتعاطف آلام هذه الأسرة ومصيرها بعد الطلاق
حين تصل طالب علم رسالة واتس
يتردد في فتحها
ليس لعجز معرفي ولا لعدم الرغبة في تقديم العون
بل يخشى أن تكون قصة وجع تأخذ البقية الباقية من راحة يومه.
أقول ذلك...
لأبشر الذين يتلقون هذه الأوجاع
بفضيلة عبودية الأنبياء
عبودية التمعر لأحزان الموجعين ومتاعبهم
حتى عند العجز عن تقديم أي شيء
الله يعلم أن قلبك انقبض حزنا على مسلم
ذات استشارة أو شكوى.