
مذكرات مجهول
أليس غريبًا أن يتحول الخيال إلى قفصٍ شفاف، يرى فيه الإنسان العالم ولا يلمسه؟ نُشيّد في أذهاننا مدنًا كاملة من الأمنيات، ثم نُقيم فيها كأنها قدر لا مفر منه. نمضي أعوامًا نرتب تفاصيل لم تولد، وننتظر أحداثًا لم تُكتب لها بداية. نُرهق أرواحنا بحوارات لم تقع، ونُثقل قلوبنا بردودٍ لم تُقال. نعيش في احتمالاتٍ هشة، ونؤجل الحقيقة كأنها عبء ثقيل. نُصدّق ما نُحب أن يكون، ونتجاهل ما هو كائن بالفعل. نخاف من الخيبة فنستبقها، ونخشى الفقد فنفقد قبل أن نفقد. نُغذّي القلق بأوهامٍ نُتقن صناعتها، حتى يصير القلق بيتًا مألوفًا. نُطيل الوقوف عند أبواب الغد، وننسى أن اليوم يمر بصمت. نُراهن على صورٍ رسمناها بأنفسنا، فإذا خالفتنا الحياة ضقنا بها. نُطالب الواقع أن يُشبه خيالنا، مع أنه لم يعدنا بشيء. نُقيّد خطواتنا بحبال التوقع، ثم نتساءل لماذا لا نمضي. وفي كل مرةٍ نُفاجأ، لا لأن العالم قاسٍ، بل لأننا بالغنا في الرجاء. لعل الحكمة أن نترك للأيام مساحتها، وأن نخفف قبضة الوهم. وأن نعيش ما هو بين أيدينا، قبل أن يذوب في زحام ما لم يكن.
"وحدها التفاهة تُجني أرباحًا كثيرة هذه الأيام."
- فريدريك نيتشه
"وحدها التفاهة تُجني أرباحًا كثيرة هذه الأيام."
- فريدريك نيتشه
في زمن قريب كنت أحمل في داخلي رغبات لا تنتهي، وأركض خلف أيام أكبر من قدرتي وأحلام أوسع من واقعي، أظن أن الامتلاء يكون بكثرة ما أطلب وأن الطمأنينة تسكن في نهاية الطريق لا في بدايته، حتى أثقلني السعي وتعبت من ملاحقة كل شيء في وقت واحد، اليوم أقف بهدوء لم أعهده من قبل، أنظر إلى نفسي كما هي لا كما أردتها أن تكون، وأفهم أن الإرهاق لم يكن من الحياة وحدها بل من توقعاتي التي لا ترحم، لم أعد أريد الكثير، ولا أبحث عن الكمال، يكفيني أن يمر يومي دون صخب في رأسي، وأن يهدأ قلبي من ذلك القلق الذي لا سبب واضح له، صرت أكتفي بالقليل الذي يمنحني سلامًا حقيقيًا، وأتعلم أن أترك ما لا أستطيع حمله دون ندم، لا أريد أكثر من خطوات ثابتة ولو كانت بطيئة، ولا أطلب إلا طمأنينة صادقة لا تزول مع أول تعب، فقد أدركت أخيرًا أن الراحة ليست في الوصول إلى كل شيء، بل في الاكتفاء بما يجعلني بخير.
تدرك بعد رحلة طويلة في دروب الحياة أنك لم تعد مشغولًا بفكرة أن تكون الافضل كما كنت من قبل، بل تغيرت نظرتك وصرت تميل الى البساطة والهدوء اكثر من اي وقت مضى، فلم يعد التنافس يُغريك ولا المقارنات تسرق راحة بالك، وكل ما تطمح اليه هو ان تعيش ايامك بسكينة وصفاء دون ضجيج او توتر، أن تجلس مطمئن القلب لا تثقلك التفاصيل الصغيرة ولا تستفزك التقلبات العابرة، وأن تحافظ على توازنك الداخلي مهما تغيرت الظروف من حولك، فتأخذ الامور كما هي دون إفراط في التعلق او المبالغة في الرفض، مكتفيًا برضًا هادئ يمنحك شعورًا عميقًا بالراحة وكأنك وصلت اخيرًا الى ما يناسب روحك.
رغبةٌ جامحة في الجلوس لساعات،
تحت مطرٍ غزير، يبللُ جسدي وروحي،
حتى لو كان الثمن صحتي،
حتى لو قضيتُ الأشهر القادمة بين المرض والسكوت…
عيدكم عيدٌ يليق بصدوركم الواسعة، للصامدين في وجه العواصف، الذين يحملون أحلامًا أثقل من الجبال، للباحثين عن لقمة العيش في أرضٍ لا ترحم، وللحالمين بغدٍ أفضل وهم يعبرون بحار المعاناة، للأمهات التي تبكي في صمت، وللأطفال التي تبحث عن معنى للفرح في عيون الغرباء. لكل من كتبته الحياة في سجلّ المنكوبين، ولكل روحٍ لا تزال تؤمن بالخير رغم كل الظلام. عيدكم عيدٌ يُجبر كسركم، ويرسل إليكم حنين الأوطان في رياح العيد.
غالبا ما يتأخر الإنسان في ملاحظة أن ما كان يطمح إليه لم يعد يشبهه كما كان من قبل، فيمضي زمنًا طويلًا وهو يسعى خلف صور قديمة رسمها لنفسه في مرحلة مختلفة من حياته، حتى إذا بلغها شعر بشيء من الغربة والانفصال عنها، وكأنها تخص شخصًا آخر لا يعرفه، فتتبدل اهتماماته بهدوء دون أن ينتبه، بينما يستمر في السير في المسار ذاته بدافع العادة أو الإصرار، وحين يتوقف لحظة ليتأمل ما حوله يكتشف أن الإنجاز الذي حققه لا ينسجم مع ما صار يريده الآن، وأن الفجوة بين داخله وواقعه قد اتسعت أكثر مما توقع، فلا تكون المشكلة في الوصول بحد ذاته، بل في التغير الذي طرأ عليه دون أن يعيد النظر في وجهته، وهنا تبدأ الحيرة، أكان عليه أن يعيد رسم الطريق من جديد، أم يتصالح مع ما وصل إليه رغم هذا التباعد!
القناة للبيع، إذا جاد حط سعرك:
@BBzBB
حتى لو نجوت من الطوفان،
سيظل الماء،
يُخيفـــك للأبـــد.