قناة د. ياسر المطيري
من فقه الفتنة أن يُعلم أنها قلَّما تنشأ من باعثٍ واحد خالص، بل تتكوَّن من عوامل متداخلة، يمدُّ بعضها بعضًا:
شبهةٌ تُلبس على العقل، وشهوةٌ تميل بالقلب، وهوى يوجِّه النظر، ثم يأتي التأويل ليكسو الميلَ لباسَ الحجة.
فقد يكون في أصل الفتنة نصٌّ ضعيف الثبوت أوالدلالة، أو زلَّةُ عالم، فلا تكون الشبهة باطلًا محضًا حتى يسهل كشفها، بل يكون فيها شيء من الحق هو الذي يمنحها قدرتها على الالتباس، ثم تقترن بهذه الشبهة شهوةٌ خفية؛ حبُّ الرياسة، أو لذةُ الغلبة في المجادلة، أو الانتصار للنفس والجماعة، أو كراهيةُ الرجوع بعد الاشتهار بالموقف.
وهنا لا يعود العقل ناظرًا في الدليل وحده، بل يصبح الهوى شريكًا خفيًّا في تفسيره وترجيحه.
إذن؛ طبيعة الفتنة (مركبة)، ولهذا كان ردُّها إلى سبب واحد (تسطيح) لها؛ فمن جعلها جهلًا محضًا أغفل سلطان الهوى، ومن جعلها هوًى مجردًا أغفل ما يلتبس بصاحبه من الحجج، ومن ردَّها إلى زلة عالم وحدها لم يفسر لماذا تعلَّق بعض الناس بهذه الزلة دون سائر أقواله.
والنجاة من الفتنة لذلك مركبة أيضًا:
علمٌ يبدد الشبهة، وتقوى يكسر الشهوة، وتجردٌ يكشف حظ النفس، وتواضعٌ يهوِّن الرجوع إلى الحق.
ولا يكفي أن تسأل عند الفتنة: ما الدليل؟ بل سل أيضًا: لماذا استمالني هذا الدليل؟ وما الذي أخشى فقده لو ظهر خطئي؟ وما نصيب النفس من هذا الخصام؟
فربَّ فتنةٍ لا يحجب الإنسانَ فيها ضعفُ علمه بقدر ما يحجبه شيءٌ في قلبه، وربَّ شبهةٍ ما كان لها أن تستقر في العقل لولا أن الهوى قد هيَّأ لها موضعًا فيه. ومن هنا كان فقه الفتن أعمق من مجرد معرفة النصوص الواردة فيها؛
إنه فقهٌ للدليل والنفس معًا.
وهذا المعنى، وهو كون الفتنة معقدة أو مركبة، ينبه عليه شيخ الإسلام ابن تيمية في تفسيره للفتن التي وقعت في الأمة، ولما يقع بين الطوائف والمذاهب والأفراد من نزاع؛ فإنه لا يختزل الخصومة في فساد القصد وحده، ولا في فساد العلم وحده، بل يكشف عما يختلط فيها من حق وباطل، وشبهة وشهوة، وتأويل وهوى، وما يدخل النفوس من طلب العلو والانتصار، مع وجود أصل من العلم أو الدليل وقع فيه الغلط أو التجاوز.
ومن هنا كان من دقائق فقهه للفرق والمقالات أنه لا يكتفي بإبطال القول، بل ينظر أيضًا في منشئه، وما فيه من الحق الذي أوجب اشتباهه، وما انضم إليه من حظوظ النفوس التي أعانت على بقائه واتساعه.
_
بفضل الله تعالى ..
صدر كتابي (
ترجمة المسألة الأصولية -
دراسة نظرية تطبيقية)
،
وهي رسالتي للدكتوراه في أصول الفقه ..
أسأل الله أن يكسوه حُلّة القبول، ويُجري به نفعًا موصولًا، ويكتب لأثره بقاءً لا ينقضي بانقضاء النظر فيه، وأن يجعله من آثار العلم الباقية، التي يمتدّ نفعها بعد انقضاء آجال أصحابها ..
_
(
تفسير آيات الحج
)
د. ياسر المطيري
🗓️
من الأحد ٣٠/ ١١
إلى الثلاثاء ٢/ ١٢
🕰️
الساعة الرابعة مساءً
على قناة الدروس:
https://t.me/dross9
حياكم الله
مطبوعات المؤسسات العلمية كطعام الوليمة يُمنعها من يأتيها، ويُدعى إليها من يأباها :)
(مناسبات آيات الحج)
وردت آيات الحج في كتاب الله في أربع سور: البقرة، وآل عمران، والمائدة، والحج، وفي كلٍّ منها جاء الحديث عن الحج مناسبا لموضوع السورة:
- فجملة أحكام الحج جاءت في سورة البقرة، وذلك مناسب لموضوعها الذي هو (التكاليف الشرعية) ومنها الحج.
- وفي آل عمران آيتان في سياق الرد على شبه أهل الكتاب ومنها قولهم: إن بيت المقدس أول قبلة شرع الله للناس استقبالها فلم يتركها محمد لغيرها؟ فرد الله عليهم بقوله: (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة..) وجاءت هنا آية وجوب الحج: (ولله على الناس حج البيت..).
- وفي سورة المائدة التي هي سورة (العقود) جاءت كثير من أحكام الأطعمة، ولذلك ورد فيها أحكام الصيد للمحرم.
- وفي سورة الحج التي تتحدث عن مراغمة الكافرين باليد واللسان والقلب، والاقتداء في ذلك بنبي الله إبراهيم عليه السلام، كان الحديث عن الحج من هذه الجهة: وعيد الكافرين الذي يصدون عن المسجد الحرام، وأحكام النسك وإراقة الدم لله وما فيه من تعظيم الله وتوحيده والتنديد بالكافرين الذين يهلون لغير الله، ولذلك تفردت سورة الحج بأن وردت فيها سجدتان، إذ السجود أعظم مراغمة للشيطان.
مراعاة هذا المعنى يفتح لتالي القرآن بابا جليلا من أبواب التدبر في الأحكام والعقائد والبيان.
موضعها الصحيح في آخر الرسالة في المخطوط وط. المنهاج.
بعد شكري للدكتور عبد الله وبعد مراجعة الموضع الذي أشار إليه أقول:
ليس هاهنا سقط بفضل الله، بل هذا هو الصواب، وهو الوارد في المخطوط بخط السعدي رحمه الله، وسأرفق صورته.
وقد استند الدكتور وفقه الله لمطبوعة مجموع مؤلفات السعدي (٦/ ١٤٥) وفيها زيادة بمقدار ٧ أسطر، وبأدنى تأمل يتضح أنها مقحمة سهوًا من الطابع، فلا صلة لها بما قبلها وما بعدها، وإنما موضعها في آخر الرسالة كما في المخطوط وفي الطبعة التي عنيت بها.
وفيما يلي صور ما أشرت إليه.
وبالله تعالى التوفيق.